|
الكاتب/ سام محمد الحامد علي
|
|
(الصلاح صلاح النفس) لو نظرنا إلى جُل مشاكلنا اليومية لرأيناها متأتية من فساد نفوسنا أولاً وأخيراً! فالمجتمع مرتبط بالفرد، والذي هو الأساس المكوِّن له، عبر دوائر صُغرى وكبرى، كالأسرة والحي والمدرسة والوظيفة.. وفسادُ مجتمعٍ بعينه هو فساد شريحة ضخمة من أفراده، وهذا ما يعني أن المجتمع لا يفسد بذاته وإنما بوصول تقهقر المستوى الأخلاقي وفقدان التوازن النفسي عند بعض أفراده إلى حدّ المشكلة، فتبدأ صورة المرض، أو الفساد، في الظهور كأزمة مستفحلة تنم عن خطر كبير..!
إذاً، الفساد هو فساد النفوس، والصلاح صلاحها؛ ولا يمكن لحلٍّ أن ينجح في معالجة هذا المرض الخطير إلا بالانطلاق من هذه القاعدة أولاً، وهي: إصلاح النفس أولاً! فمَن نناشد إذاً، ومن أين نبدأ؟ هل نناشد جميع الناس أن يبدؤوا بأنفسهم، أم نناشد رجال الدين أن يبدؤوا بتطهير نفوسهم ثم بث دعوة الإصلاح في المجتمع، أم نطلب من السلطات إيجاد الحلول القسرية المساعدة لبلوغ ذاك الصلاح، أم نقوم بكل ما ذكرناه؟! هناك خطر كبير يتجلى بكلمة واحدة، بما تشتمل عليه من معنى وبما تولِّده أو ما ينتج عنها؛ هي: "اليأس"! وهناك ثلاثة زُمَرٍ أساسية تدور في فلك اليأس، هي: اليائس، والسائر على طريق اليأس أو الذي يُخشى عليه من بلوغ اليأس في وقت لاحق، والمُيَئِّس الذي ينفث سمومه وينقل مرضه أنى حلّ! فالأول، أي شخص الزمرة الأولى، يحتاج إلى مَن يخرجه من يأسه، والثاني يحتاج أن يعي حقيقة قوة الإنسان على التأقلم والتكيف وأن يتذوق جمال الحياة.. والثالث تجب مواجهته بحقيقته وحقيقة ما ينتج عن سلوكه فإما عودة إلى الفطرة وحياة الإنسان الطبيعية أو أن يُحجَر عليه ويُطوَّق ويُلجَم. فهل ثمة حياة مع اليأس؟ يُخطِئ مَن يعتقد بوجود حلول جاهزة، أو كاملة، أو سريعة، لكل مشكلات العالم؛ وواهم كل مَن يعتقد أن بإمكانه تحطيم كل الحواجز وتذليل كل العقبات بخطوة واحدة أو بلحظة سريعة؛ ولكن الأكثر خطأ ووهماً هو الذي يعتقد بأنه لا يستطيع فِعل شيء، أو أن النجاح حلم من عالم الخيال! نحتاج: 1- ضميراً حياً. 2- توازناً نفسياً. (ثقة بالنفس وبرب العالمين..) 3- همة وإخلاصاً.. 4- صبراً ومثابرة.. 5- تفاؤلاً وواقعية.. (رضا بالمنجَز والعمل على تحقيق المزيد) أما بالعودة إلى سؤال "من أين نبدأ" فنقول: نبدأ من أنفسنا أولاً، ثم بدعوة الآخرين، كل الآخرين! يجب أن يكون الصدقُ ــ بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى (ذاتياً وموضوعياً) ــ هواءنا الذين نتنفَّسه، أزعجنا أم أراحنا، ويجب أن تكون عزيمتنا كالجبال الراسيات، كما يجب أن نفعل الخير لأجل الخير لا لأجل أحد، فلا ننتظر ثناءً أو تقديراً من أحد، ولا نأبه بلوم أحدٍ أو معاداته.. يجب أن تكون الفضيلةُ محبوبتَنا، والنورُ عشقَنا؛ والابتسامةُ لازمةَ محيّانا، والتفهُّم وحُسن تقدير الأمور منطقَ عقولنا، والعزيمةُ والصبرُ رفيقانا على طول دربنا وفي كافة مناحي حياتنا ــ حتى في خلواتنا ومع ذواتنا ــ! يجب أن نكون واقعيين وعمليين بطموحاتنا وخطواتنا، كما يجب أن لا نكتفي بالمحقق وأن لا نستكين للظرف! فـ: هل صحيح أن ضمائر كل الناس رخيصة؟ وهل صحيح أن لكل شخص سعراً؟[1] هل صحيح أن نفوس كل الناس ضعيفة، وأن جُلّهم تافه.. (بمعنى: قادرهم عاجز، وكبيرهم صغير..) أين المروءة وأين الشباب؟ أين الدين وأين الأخلاق؟ هل صحيح أن ضعفي أمام اقتناء جهاز خلوي جديد أو أمام شراء بدلة جديدة.. أكبر بكثير من كل مقدراتي الذهنية وآفاقي العقلية اللتين تحددان لي، وترسمان، منظومتي الأخلاقية وقيمي الإنسانية..؟! هل صحيح أن ضعفي أمام عودتي إلى منزلي وأطفالي حاملاً معي بعض ما لذَّ وطاب أقوى من صوت ضميري وأكبر من خشيتي من خالقي؟! هل صحيح أن حَرَجِي أما بعض تافهي المجتمع من الأغنياء وذوي الشأن ــ غير السويين والبعيدين عن الإنسانية الحقة ــ سيجعلني أرى في محاولتي مجاراتهم أو تقليدهم والتشبه بهم (في بهيميتهم المقنَّعة) عوضاً لا بديل عنه؟ هل صحيح أنه ليس أمامي من طريقٍ لأعيش به حياة كريمة (أقتني بها بيتاً جميلاً وأعود بدخلٍ وافر على أهلي) سوى التجرّد من القيم والأخلاق والمبادئ والتحوّل إلى وحش بصورة إنسان؟! هل صحيح أن مفردات المحبة البريئة، والحب الصادق، والإيثار، والشهامة.. أصبحت من الماضي، أو لا تصلح لعصرنا هذا؟ هل يجب أن يبقى همُّ الإنسانِ "طلب المزيد" ومحرِّكه أبداً "القلق"؟![2] أم أن الدنيا ما زالت بخير؛ وأن أهل الطيبة ما زالوا موجودين، وأنهم على قِلّتهم، أو كثرتهم المشتتة، قادرون وفاعلون ويبشِّرون بكل خير؛ ولكن ينقصنا التفاؤل والأمل والتخطيط والعمل والإخلاص؟ أليس بيدنا سلاح، هو: معرفة التافه بنفسه أنه تافه، ومعرفتنا بذلك؛ وأنه لا ينقصنا سوى وضعه أمام أحد خيارين، إما أن يبقى تافهاً فيكون جزاءُ موقفِه هذا معاملتَهُ كدونٍ وجاهل رغم غناه أو تحصيله العلمي، وإما أن يفيء إلى مجتمعه وأهله إنساناً طبيعياً، إنساناً بمعنى الكلمة! فالثقة بالنفس، السويّة[3] والمقبولة، غير الاعتداد بالنفس! وحب القوم والأهل غير التعصُّب لهم. والشعور بالرضا والتقدير للأصل الذي ينتمي إليه المرء غير التباهي والتفاخر. وإنه من الممكن، وبكل بساطة وسهولة، تجنيد[4] كل مشاكل اليوم ومخاطره (من فرز واصطفاف قومي أو طائفي أو طبقي) لصالح الإنسانية! فبإمكان أبناء المجموعات التسابق في مضمار الفضيلة والخير والجِدّ والدراسة وخدمة الإنسانية، وبإمكانهم التنافس في ذلك ما شاؤوا. وكم سيكون حافزاً لأبناء مدينة متأخّرة عن قريناتها أن ترفع من مستوى أبنائها الثقافي لتلحق بالمدن الأخرى أو لتتفوّق عليها! وكم سيكون داعياً للجِدّ تفرُّدُ أهلِ بلدةٍ معينة عن غيرها من البلدات بحُسن الضيافة والمحافظة على الأخلاق العربية الأصيلة من كرمٍ ومروءة وشهامة! إذ سيغار أهالي تلك البلدات من نيل أبناء أهل البلدة المتفرّدين عنهم ذاك الشرف، وسيسعون بكل ما استطاعوا من قوة وبكل إمكاناتهم إلى بلوغ ذاك المجد![5] هل ما طرحته، وقدَّمته، حُلم أم خيال؟ أم واقع مُعاش يحتاج إلى تنمية وتطوير ونشر؟! أترك لكل حرّ وكريم أن يقدِّر جواب تلك التساؤلات، وأن يتحمَّل مسؤوليات رسالته الإنسانية الجسام.. والله الموفِّق وهو الهادي؛ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الفقير لله تعالى سام محمد الحامد علي www.safwaweb.com www.freemoslem.com www.alaweenonline.com الحواشي [1] هناك نقطة ضعف عند كل إنسان، وهذا ليس عيباً، ولكن عليه أن يقويها وأن يعمل على تحصين نفسه.. [2] المضحك المبكي، أو: المفارقة الغريبة، أن مالك المزرعة والفيلا والسيارة.. يخاف من الغد ويحسب حسابه أكثر من الفقير المعدَم..! [3] الثقة الموضوعية الواقعية الطبيعية المقيدة بضوابط الأخلاق.. [4] تحويل وتسخير.. [5] العمل الخالص هو الذي يثبت ويبقى، أما ما كان رياءً فيذهب وأهله..! * * * جميع المواضيع المرسلة من قبل سام محمد الحامد علي محفوظة الحقوق لكاتبها، وهي مسجلة باسمه في الجهات المعنية والمختصة بالحماية الفكرية في سوريا، وتطبع دورياً في سلسلة مقالات تحت إشراف وموافقة وزارة الإعلام السورية، وتودع باسمه في المكتبات السورية المعتمدة تباعاً، كمكتبة الأسد. ثم إن الموقع يحتفظ بأرشيفه الخاص عن المقالات وتاريخ وروودها لحماية كل مَن يكتب فيه. أضف الى المفضلة (29) | أضف الى موقعك | المشاهدة: 306
|
- من فضلك اضف تعليق يتناسب مع الخبر.
- أي اهانات أو شتم سيتم حذفها.
- لا تنس اضافة الكود الأمني الموجود بالأسفل.
|
Powered by AkoComment Tweaked Special Edition v.1.4.6 AkoComment © Copyright 2004 by Arthur Konze - www.mamboportal.com All right reserved |