|
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على المرسَلِ رحمةً للعالمين، المأمورِ أولاً بالقراءة[1] ثم بطلب الزيادة عِلماً[2]؛ عبادةً: فالتعلّمُ والتعليم عبادةٌ، واستقامةً: لقول الحق ــ تبارك وتعالى ــ: "فاستقِمْ كما أُمرتَ"[3]، ولقوله: "وادعُ إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم"[4]؛ وعلى آله الطيبين الطاهرين مصابيح الهدى وأئمة العِلم، وعلى أصحابه نجوم العبادة وسفراء الرسالة، وعلى مَن آل إليهم بإحسان إلى يوم الدين؛ وبعد! كَثُرَ اللغطُ في يومنا هذا حول بداية الكتابة عند الإنسان وحقيقة أمرها، وهل الكتابة العربية التي نكتب بها اليوم شيء خاص ومميَّز عن باقي الكتابات كخصوصية وتميُّز اللغة العربية[5] ــ لغة القرآن[6] ــ عن سائر اللغات؛ وهل ثمة كتابتان لدى الإنسان في القِدم، كتابةٌ وضعيةٌ كانت من صنع يده تماماً، وكتابةٌ استلهامية وَحْييةٌ كانت بكشوفات عقلية وقلبية وباستخلاصِ وانتخابِ الموجود وتوليد الضروري أم أن الكتابةَ كتابةٌ واحدة؛ ثم، لماذا استُورِدَ فِعل: "ألَّف" المختلِف لفظاً ووزناً عن فِعل "كَتَبَ" ليعمل في مجال الكتابة عملاً مُميِّزاً حيث يُعين في تخصيص معنى من معاني فِعل "كَتَبَ" ويُولُّد دلالة جديدة له[7]..
وكثُرت الإجابات الخاطئة والتفسيرات الشاذة لتلك الأسئلة والظواهر.. وبعد أن عاينتُ الحالَ التي إِلنا إليها، ووجدتُ الوقتَ مناسباً والفرصةَ مواتية، قررتُ أنْ أكتبَ مقالاً أُبيِّنُ فيه معنى الكتابةِ[8] على التحقيق، ودورَ دين الإسلام ــ خاتم الديانات السماوية وجامعها ــ في بثِّ الكتابة والحثِّ على تعلُّمِها،وأن أُبينَ أيضاً ما خاصية الكتابة العربية التي هي كتابة القرآن[9].. والله المستعان، وعليه الاتكال، وإليه القصد، وهو الغاية.. أقول: كَتَبَ الشيءَ: خطَّه. والكتاب: اسمٌ لِما كُتبَ مجموعاً؛ والكتابة لمَن تكون له صِناعةٌ، مثل الصياغة والخياطة. ورجلٌ كاتبٌ، والجمعُ كتَّاب وكَتَبَة، حرفتُه الكتابة. وفي كتابه ــ ص ــ إلى أهل اليمن: "قد بعثتُ إليكم كاتباً من أصحابي". أراد عالماً، سمَّى به لأن الغالب على مَن كان يعرف الكتابة أن عنده العِلم والمعرفة، وكان الكاتب عندهم عزيزاً وفيهم قليلاً.[10] وكتبَ الأشياءَ: ضمها إلى بعضها باتساق. وكتب الشيءَ: أثبته وسجَّله. وكتب اللهُ الأمرَ: قدَّره. وكُتِبَ الأمرُ على فلانٍ: فُرِضَ عليه وأُوجبَ. واكتتبَ حكايةً: اختلقها وسطَّرها. ومكاتبة العبدِ لسيِّده: هي صكٌّ يُلزمه بعملٍ لقاءَ تحريره.[11] أما المعنى الغائي[12] لفِعل "كَتَبَ" فهو: خَطَّ على القرطاس ما أراد إبلاغه لغيره أو حفظه من النسيان..[13] وهنا يبرز دور أداة الكتابة، والتي كانت وما تزال، القلم[14]! قال تعالى في أول سورة أنزلها على عبده الأمين ــ ص ــ: "اقرأ وربُّك الأكرم * الذي علَّم بالقلم * علَّم الإنسانَ ما لم يعلم".[15] وقال[16]: "ن والقلمِ وما يسطرون".[17] قال الشيخ جمال الدين بن نباتة في مدح الكتابة والقلم: {"ن والقلم وما يسطرون". الحمد لله الذي علَّم بالقلم، وشرَّفه بالقَسَمِ، وخَطَّ به ما قدَّر وقَسَمَ، وصلى الله على سيدنا محمد القائل: "جفَّ القلمُ بما هو كائن"، وعلى آله وأصحابه.. أما بعد، فإنَّ القلمَ منارُ الدينِ والدنيا، وقصبةُ سباقِ ذوي الدرجة العليا، ومفتاحُ بابِ اليمن المجرَّب إذا أعيا، وسفيرُ الملك المحجَّب، وعُذَيقُ[18] الملك المرجَّب[19]، وزمام أموره السائرة، وقادمة أجنحته الطائرة، وأنملة الهُدى المشيرة إلى ذخائر الدنيا والآخرة. به رُقِّم كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل، وسنة نبيه ــ ص ــ التي تهذب الخواطر والخواطل[20]، فبينه وبين مَن يُفاخره الكتاب والسنة، وحسبه ما جرى على يده الشريفة من منَّة. إنْ نُظِّمتْ فرائدُ العلوم فالقلمُ سلكها، وإنْ علتْ أسرَّة الكتب فإنما هو مَلكها.. لا يُعاديه إلا من سَفِهَ نفسَه، ولبس لبسه، وطُبع على قلبه.[21] أما التأليف فهو من: ألَّفتُ الشيءَ تأليفاً إذا وصلتُ بعضَه ببعضٍ، ومنه تأليفُ الكتب.[22] والكتابة، كما التأليف والرسالة والدعوة، ما هي إلا فن من فنون التوصيل، وصورة من صوره! قال تعالى: "ولقد وصَّلنا لهم القول لعلهم يتذكرون".[23] ووَصَلَ (لغةً): وَصَلَ الشيءَ بغيره فاتصل؛ ووصَّل الحبالَ وغيرَها توصيلاً: وصَل بعضَها ببعضٍ، ومنه: "ولقد وصَّلنا لهم القولَ".[24] وهو في الكلام أن يصير بعضه يلي بعضاً.[25] والتوصيل تفعيلٌ من الوصل يفيد التكثير كالقطع والتقطيع والقتل والتقتيل، والضمير لمشركي مكة..[26] ويمكن حمْل التوصيل[27] في الآية الشريفة على "القول" ذاته، وهو كتاب الله، ويمكن حمله أيضاً على الشخص الذي قام بتوصيل القول أو مضمونه، وذلك على سبيل المجاز.[28] أما عن فضْل الكتابة وفضْل قراءة الكتب واقتنائها فإليكم باقة من الأقوال والنصوص المبينة لكل ذلك. قال رسول الله ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ: قيّدوا العِلم بالكتاب.[29] وعنه ــ ص ــ: مَن كتب عني عِلماً أو حديثاً لم يزل يُكتَب له الأجرُ ما بقي ذلك العِلم والحديث.[30] وعنه أيضاً ــ ص ــ: اكتبوا العِلم قبل ذهاب العلماء، وإنما ذهاب العِلم بموت العلماء.[31] وقال الإمام الصادق ــ ع ــ: اكتبوا، فإنكم لا تحفظون إلا بالكتاب.[32] وقال ــ عليه السلام ــ للمفضَّل بن عُمَرَ: اكتبْ وبُثَّ عِلمَكَ في إخوانك، فإنْ متَّ فأورثْ كُتبَكَ بنيك، فإنه يأتي على الناس زمانُ هَرْجٍ لا يأنسون فيه إلا بكتبهم.[33] وقال ــ ع ــ: القلبُ يتكل على الكتابة.[34] وقال الإمام علي بن أبي طالب ــ عليه السلام ــ: عقول الفضلاء في أطراف أقلامها.[35] وقال أيضاً ــ ع ــ: إذا كتبتَ كتاباً فأعِدْ فيه النظر قبل ختمه؛ فإنما تَخْتِمُ على عقلِكَ.[36] أما في خصوص الكتب فقال ــ عليه السلام ــ في صفة علاقة العلماء بها: الكتب بساتين العلماء.[37] وقال: مَن تسلى بالكتب لم تفته سلوةٌ.[38] ومن أجمل ما وُصف به الكُّتاب والكتبة قول الشاعر: ما الناسُ إلا الكتَبَهْ هُمْ فِضةٌ في ذَهَبَهْ قد أحرزوا دُنياهم بشعبةٍ من قَصَبَهْ[39] أما ما ورد في التحذير من تبديل الخلْق وتغيير السنة (أي استعمال الكتابة والقلم لغير ما أمر الله) فقال النبي ــ ص ــ: "يؤتى بصاحب القلمِ يوم القيامة في تابوتٍ من نارٍ، يُقفَل عليه بأقفالٍ من نارٍ، فيُنظَر قلمُه فيما أجراه؛ فإنْ كان أجراه في طاعة الله ورضوانه فُكَّ عنه التابوتُ، وإنْ كان أجراه في معصية الله هوى التابوتُ سبعين خريفاً[40]".[41] وعنه ــ ص ــ في أخبار آخر الزمان: "من أشراط الساعة أن يفيض المال، ويظهر القلم، وتفشو التجار".[42] خلاصة وخاتمة من خلال ما قدمناه من عَرْض ودراسة وبحث، وباعتبار أن الإنسانَ كائنٌ مخلوق على الفطرة ومُتابَعٌ من خالقِه ومُلهَمٌ في كثير من أحيانه الصفائية الإخلاصية الصادقة، نستطيع استخلاص الحقائق العلمية الدينية التالية: 1- بدأت الكتابة بالقلم بوحي من الله (مباشر عن طريق الرسل والأنبياء، أو غير مباشر عن طريق الوحي القلبي والإلهام)، وبتوفيق منه وبتسديد؛ وقد أَمَرَ اللهُ بالكتابة وحثَّ على العِلم وألزم بالاستعمال النافع له.(اقرأ باسم ربك الذي خلق: ذي الرحمة؛ إله الخير..) 2- الكتابة باللغة العربية أمر خاص ومميز بسبب نزول القرآن الكريم بلغة العرب، وقد هَيَّأ اللهُ الأسبابَ ووفَّق ورعا تطوَّرَ اللهجات العربية على وجه الخصوص لتخرج إلينا اللغة العربية الفصحى بذاك اللسان المبين وذاك الغنى العظيم.. 3- يتجلى سرُّ الكتابة بإتمام دورتها وكمال رسالتها بالتأليف النقي والإبداعي! فقد انضم فِعل "ألَّف" إلى الكتابة لتكون الإلفة بالكِتاب والكتابة فالإلفة بالإنسان نفسه.(الوصول إلى التآخي الإنساني الكامل والأسمى والسمو بالمجتمعات والعلاقات الإنسانية إلى أعلى مستوى) قال تعالى: "وألَّف بين قلوبهم".[43] وقال: "وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم".[44] وقال: "يرفع اللهُ الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العِلم درجاتٍ".[45] وبهذا التقرير أختم هذا البحث؛ وفوق كل ذي عِلم عليم. كتبه سام محمد الحامد علي www.safwaweb.com www.freemoslem.com www.alaweenonline.com www.alaween.net www.ftatali.com الحواشي والمراجع: [1]كانت بداية الوحي، وشرارة النور والحق، الأمر بالقراءة، وهو قوله ــ جلَّ من قائل ــ: اقرأ؛ اقرأ باسم ربك الذي خلق. [اقرأ بمعنى: انطق واتلو وبلِّغ وأوصل.. انظرشرح سورة العلق، سام علي] [2]وهو ما تبيّنه الآية الشريفة: "وقل ربي زدني عِلماً". [سورة طه، 114] (مع الإشارة إلى أنه لم يرد الطلب النبوي بالزيادة ولا الأمر الإلهي بطلب الزيادة إلا في العِلم وفي هذه الآية تحديداً!) [3]سورة هود، 112. [4] سورة الحج، 67. [5] يقول الباحث والمؤرِّخ العربي الكبير الدكتور جواد علي: {وإذا ما سألتني عن معنى لفظة " عرب " عند علماء العربية، فإني أقول لك: إن لعلماء العربية آراء في المعنى، تجدها مسطورة في كتُب اللغة وفي المعجمات. ولكنها كلها من نوع البحوث المألوفة المبنية على أقوال وآراء لا تعتمد على نصوص جاهلية ولا على دراسات عميقة مقارنة، وُضعتْ على الحدس والتخمين، وبعد حيرة شديدة في إيجاد تعليل مقبول فقالوا ما قالوه مما هو مذكور في الموارد اللغوية المعروفة، وفي طليعتها المعجمات وكُتُب الأدب. وكل آرائهم في تفسير اللفظة وفي محاولة إيجاد أصلها ومعانيها، هو إسلامي، دُوِّنَ في الإسلام. وترى علماء العربية حيارى في تعيين أول مَن نطق بالعربية، فبينما يذهبون إلى أن "يعرب" كان أول مَن أعرب في لسانه وتكلَّم بهذا اللسان العربي، ثم يقولون: ولذلك عُرِفَ هذا اللسان باللسان العربي، تراهم يجعلون العربية لسان أهل الجنة ولسان آدم، أيْ أنهم يُرجعون عهده إلى مبدأ الخليقة، وقد كانت الخليقة قبل خلق "يعرب" بالطبع بزمان طويل. ثم تراهم يقولون: أوَّلُ مَن تكلَّم بالعربية ونسي لسان أبيه إسماعيلُ. أُلهم إسماعيل هذا اللسان العربي إلهاماً. وكان أول مَن فُتق لسانه بالعربية المبينة، وهو ابن أربع عشر سنة. وإسماعيل هو جدّ العرب المستعربة على حدِّ قولهم. والقائلون إن "يعرب" هو أول مَن أعرب في لسانه، وإنه أول مَن نطق بالعربية، وإن العربية إنما سُميتْ به، فأُخذت من اسمه، إنما هم القحطانيون. وهم يأتون بمختلف الروايات والأقوال لإثبات أن القحطانيين هم أصل العرب، وأن لسانهم هو لسان العرب الأول، ومنهم تعلم العدنانيون العربية، ويأتون بشاهد من شعر "حسان بن ثابت" على إثبات ذلك، يقولون: إنه قاله، وإن قوله هذا هو برهان على أن منشأ اللغة العربية هو من اليمن. يقولون إنه قال: تـعلمتم مـن مـنـطق الشيخ يعرب أبينا، فصرتم معربين ذوي نفر وكنتم قديماً ما بكم غير عجمة كـلام، وكـنتم كالـبهائم في القفر ولم يكن يخطر ببال هؤلاء أن سكان اليمن قبل الإسلام كانوا ينطقون بلهجات تختلف عن لهجة القرآن الكريم، وإن مَن سيأتي بعدهم سيكتشف سر "المسنَد" (الخط الحِميري)، ويتمكن بذلك من قراءة نصوصه والتعرف على لغته، وأن عربيته هي عربية تختلف عن هذه العربية التي ندوِّن بها، حتى ذهب الأمر بعلماء العربية في الإسلام بالطبع إلى إخراج الحِمْيَرِيَّة واللهجات العربية الجنوبية الأُخرى من العربية، وقصْر العربية على العربية التي نزل بها القرآن الكريم، وعلى ما تفرَّع منها من لهجات. والقائلون أن يعرب هو جد العربية وموجِدها، عاجزون عن التوفيق بين رأيهم هذا ورأيهم في أن العربية قديمة قِدم العالم، وأنها لغة آدم في الجنة، ثم هم عاجزون أيضاً عن بيان كيف كان لسان أجداد "يعرب"، وكيف اهتدى "يعرب" إلى استنباطه لهذه اللغة العربية، وكيف تمكن من إيجاده وحده لها من غير مؤازر ولا مُعين؟ إلى غير ذلك من أسئلة لم يكن يفطن لها أهل الأخبار في ذلك الزمن. وللأخباريين بعدُ كلام في هذا الموضوع طويل، الأشهر منه القولان المذكوران، ووَفَّق البعضُ بينهما بأن قالوا: إن "يعرب" أول من نطق بمنطق العربية، وإسماعيل هو أول من نطق بالعربية الخالصة الحجازية التي أنزل عليها القرآن. ورُبَّ سائل يقول: لقد كان للعرب قبل الإسلام لغات، مثل المعينية والسبئية والحِميرية والصفوية والثمودية واللحيانية وأمثالها، اختلفتْ عن عربية القرآن الكريم اختلافاً كبيراً، حتى إنَّ أحدنا إذا قرأ نصاً مدوَّناً من تلك اللغات عجز عن فهمه، وظن إذا لم يكن له عِلم بلغات العرب الجاهليين إنه لغة من لغات البرابرة أو الأعاجم، فماذا سيكون موقفنا من أصحاب هذه اللغات، وهل نعدّهم عرباً؟ والجواب: إن هؤلاء، وإنْ اختلفتْ لغتهم عن لغتنا وباينتْ ألسنتهم ألسنتنا، فإنهم عرب لحماً ودماً، وُلدوا ونشأوا في بلاد العرب، لم يردوا إليها من الخارج، ولم يكونوا طارئين من أمة غريبة. فهم إذن عرب مثل غيرهم، وكل لغات العرب هي لغات عربية، وإنْ اختلفتْ وتباينتْ، وما اللغة التي نزل بها القرآن الكريم إلا لغة واحدة من تلك اللغات، مُيّزتْ من غيرها، واكتسبتْ شرفَ التقدُّمِ والتصدُّر بفضل الإسلام، وبفضل نزول الكتاب بها، فصارتْ "اللغة العربية الفصحى" ولغة العرب أجمعين. وحُكْمُنَا هذا ينطبق على النبط أيضاً وعلى مَن كان على شاكلتهم، وإنْ عدَّهم علماء النسب والتاريخ واللغة والأخبار من غير العرب، وأبعدوهم عن العرب والعربية، فقد كان أولئك وهؤلاء عرباً أيضاً، مثل عرب اليمن المذكورين ومثل ثمود والصفويين واللحيانيين، لهم لهجاتهم الخاصة؛ وإنْ تأثروا بالإرمية وكتبوا بها، فقد تكلم اليهود بالإرمية ونسي كثير منهم العبرانية، ولكن نسيان أولئك اليهود العبرانية، لم يخرجهم مع ذلك عن العبرانيين. إن لفظة "ع ر ب"، "عرب"، هي بمعنى التبدّي والأعرابية في كل اللغات السامية، ولم تكن تفهم إلا بهذا المعنى في أقدم النصوص التاريخية التي وصلتْ إلينا، وهي النصوص الآشورية. وقد عنتْ بها البدو عامة، مهما كان سيدهم أو رئيسهم . وبهذا المعنى استُعملتْ عند غيرهم. ولمَّا توسَّعتْ مداركُ الأعاجم وزاد اتصالهم واحتكاكهم بالعرب وبجزيرة العرب، توسَّعوا في استعمال اللفظة، حتى صارت تشمل أكثر العرب على اعتبار أنهم أهل بادية وإن حياتهم حياة أعراب. ومن هنا غلبتْ عليهم وعلى بلادهم، فصارت عَلَمية عند أولئك الأعاجم على بلاد العرب وعلى سكانها، وأطلق لذلك كتبه اللاتين واليونان على بلاد العرب لفظة "Arabae"، "Arabia"، أي "العربية" بمعنى بلاد العرب.} [المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، د.جواد علي، ساعدت جامعة بغداد على نشره، منشورات الشريف الرضي، ط1، المجلد الأول، ص14-16/33/25-26] [انظر حول اختلاف اللهجات العربية وتهذيب اللغة: دائرة معارف القرن العشرين، محمد فريد وجدي، دار المعرفة، ط3، مج6، ص276 وما بعد] أما عن تعريف العربي فهو: مَن تكلَّم بالعربية، أو مَن ولد في الإسلام. وهذا التعريف مأخوذ من حديثين شريفين قالهما رسول الله ــ ص ــ، أولهما: مَن ولد في الإسلام فهو عربي. (وهذا طبيعي لأنه مسلم، ولأن كتابه القرآن، ولأن القرآن عربي) وثانيهما: مَن تكلَّم بالعربية فهو عربي. [انظر دائرة المعارف الشيعية العامة، العلامة الشيخ محمد حسين الأعلمي الحائري، مؤسسة الأعلمي، ط2، مج12، ص543] أما عن عربية القرآن وقول الله ــ في أكثر من موضع ــ: إنا أنزلناه قرآناً عربياً. فهو إلباسه العربية في مرحلة الإنزال، وجعل لفظه متلواً بلغة العرب. [انظر: الميزان في تفسير القرآن، العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، مؤسسة الأعلمي، ط1، مج11، ج12، ص77] [6] ارتباطُ القرآنِ باللوح المحفوظ؛ وجعله "عربياً" ووصفه بأنه عليٌّ حكيمٌ، سرٌّ خطيرٌ وأمرٌ عجيبٌ. قال تعالى: "حم * والكتابِ المبين * إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون * وإنه في أمِّ الكتاب لدينا لـَعليٌّ حكيم". [سورة الزخرف، 1-4] [7]الدارج اليوم، وفي أيام كثيرة خلت، أن يُقال ألَّف فلانٌ كتاباً أو موسوعةً إذا أنجز عملاً أدبياً أو علمياً خاصاً به! (بمعنى: ابتكر وأبدع مادة جديدة أو جمع جمعاً بصورة مبتكرة جديدة..)والغريب في الأمر أن يُؤنس القول: كتب فلان قصيدةً، وألَّف ديواناً.. ويُستغرب القول: ألَّف فلان قصيدة؛ إلا أن تكون القصيدة ككتاب من حيث المحتوى والمضمون..! [8]كان يُعزى اختراع الكتابة إلى الإلهين "نيبو" و "توت". [معجم اللاهوت الكتابي، دار المشرق ـ بيروت، ط3، ص653] قال وِل ديورانت: إن أوسع خطوة خطاها الإنسان في انتقاله إلى المدنية (ويعني تطوره) هي الكتابة؛ ففي قطعٍ من الخزف هبطت إلينا من العصر الحجري الثاني خطوط مرسومة بالألوان، فسَّرها كثيرٌ من الباحثين أنها رموز. وقد يكون هذا موضعاً للشك، لكنه من الجائز أن تكون الكتابة ــ بمعناها الواسع الذي يدل على رموز من رسوم تعبِّر عن أفكار ــ قد بدأتْ بعلاماتٍ مطبوعة بالأظفار أو بالمسامير على الطين وهو ليِّن بغية زخرفته أو تمييزه بعد أن تتم صناعته خزفاً. ففي أقدم كتابة هيروغليفية في "سومر" توحي صورة الطائر بأوجه شبه بينها وبين الزخارف الطائرية الموجودة على أقدم الآثار الخزفية عند "سوزا" في "عيلام"؛ كذلك أقدم صورة للغلال مما استُخدم في الكتابة التصويرية نُقلتْ رأساً من الزخارف الغلالية الهندسية الأشكال في "سوزا" و "سومر"؛ والأحرف المستقيمة الخطوط التي ظهرت بادئ الأمر في "سومر" حول سنة (3600) ق.م إنْ هي ــ فيما يظهر ــ إلا صورة مختصرة من الرموز والرسوم المصورة أو المطبوعة على الخزف البدائي في الجزء الأدنى من بلاد ما بين النهرين أو في "عيلام". إذن، الكتابة شأنها شأن التصوير والنحت قد تكون في نشأتها فناً خزفياً إذ بدأتْ ضرباً من ضروب النقش والرسم، وبذلك تكون الطينة نفسها التي استحالت في يد الخزَّاف آنية، وفي يد النحات تماثيل، وفي يد البنَّاء آجُرَّاً، قد هيَّأت للكاتب مادته التي يخط عليها كتابته؛ وطريق التطور من هذه البداية إلى الكتابة المسمارية في بلاد ما بين النهرين منطقيّ المرحل، مفهوم التدرُّج. [قصة الحضارة، وِل ديورانت، دار الجيل، مج1، ج1، ص181-182] وجاء في موسوعة المعارف الكبرى: لقد بدأت الكتابة من آلاف السنين قبل أن تُعرَف الأقلام وأسنان "الريش" أو الحبر والورق بمدة طويلة، وأقدم ما نعرفه مما كتبه الإنسان الأول منقوشٌ على جدران الكهوف وذلك خلال الزمن المعروف بالعصر الحجري القديم، وهذه الكتابة مكوَّنة كلها من صور الحيوانات. وقد تكون هذه الصور قد نُقشت من باب التجميل والزخرفة فلا تكون هذه الحالة كتابة بل رسماً! وحتى لو لم تكن الصور المرسومة على جدران الكهوف كتابة كتبها ساكنوها الأوائل فالمؤكد أن أول كتابة عرفها الإنسان كانت بالصور؛ وما من كتابة عرفها أحد إلا وبدأت بالصور. [موسوعة المعارف الكبرى، أنطوان نجيم، نوبيليس ــ بيروت، مج14، ص19] [9] وَرَدَ وصفٌ عجيبٌ خطيرٌ لرسول الله ــ ص ــ ولكتاب الله، وهو: "رسولٌ من اللهِ يتلو صُحُفاً مطهَّرة * فيها كـُتـُبٌ قيّمة". [سورة البينة، 2-3] قال الإمام الحافظ ابن كثير: "رسول من الله يتلو صُحفاً مطهَّرة": يعني محمداً ــ صلى الله عليه وسلم ــ وما يتلوه من القرآن العظيم الذي هو مكتتب في الملأ الأعلى. وفي صُحف مطهرة كقوله: "في صُحف مكرمة * مرفوعة مطهرة". [تفسير القرآن العظيم، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي، دار التراث العربي، مج4، ص537] وقال الفضل الطبرسي: يعني بالصُحف ما تتضمنه الصحف من المكتوب فيها، ويدل ذلك على أن النبي ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ كان يتلو عن ظهر قلب لا عن كتاب. وفيها كُتب قيمة: معناه: في هذه الصُحف التي هي القرآن كُتـُبٌ قيمة أي أن القرآن يشتمل على معاني الكتب المتقدمة.. [مجمع البيان في تفسير القرآن، أمين الإسلام أبو علي الفضل الحسن الطبرسي، مؤسسة الأعلمي، ط2، مج10، ج30، ص414] (انظر للاستزادة: الميزان في تفسير القرآن، العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، مؤسسة الأعلمي، ط1، مج20، ج30، ص387. و: من وحي القرآن، السيد محمد حسين فضل الله، دار الملاك، ط2، مج24، ص360) [10] لسان العرب، ابن منظور، مادة: كتب. [انظر طبعة دار المعارف، مج5، ج42، ص3816-3817] [11] القطوف من لغة القرآن: معجم ألفاظ وتراكيب لغوية من القرآن الكريم، محمد باسم ميقاتي ومحمد زهري معصراني وعبد الله الدندشي، مكتبة لبنان ـ ناشرون، ط1، ص887. [12] المراد من الكتابة.. (الغاية..) [13] دائرة معارف القرن العشرين، محمد فريد وجدي، دار المعرفة ـ بيروت، ط3، مج8، ص53. [14] رغم كل التقنيات الحديثة التي يمتلكها ابن آدم اليوم في مجال التسجيل والكتابة والطباعة.. يبقى القلمُ رفيقَ معظمِ كتَّاب ومؤلفي المعمورة! فالقلمُ يرسم ــ بحركاتِ يدِ الكاتب أثناء كتابته ــ الصورةَ الذهنيةَ والنفسيةَ للكاتب! فيُرى من خلال دراسة خطوط الكتاب ما يعبِّر عن حالة الكاتب النفسية أثناء فيض إلهامه وما يُقدِّم ــ بالوقت نفسه ــ صورةَ دفقِهِ الفكري! وما أجمل أن يُسجَّل ــ بدقةٍ ــ حالةَ المبدعِ الفكريةَ والنفسيةَ لتبقى ذخيرةً إلهامية فكرية تجددية إبداعية له ولمتتبعيه فضلاً عن تدوين ما أفاضته به قريحته؛ ومثال ذلك الرسام: المبدع والفنان! فريشته التي تنقل أحاسيسه مع كل خط، ولوحته كتاب مخطوط لا مجرد صور وأفكار بأشكال والألوان!
(يجب أن لا ننسى وحدة المنشأ لفن التعبير في الكتابة والرسم إذ بدأ الإنسان في القدم بالرسم لتسجيل أحداثه وللتعبير عما يريد إبلاغه وتوصيله، كما يجب أن لا ننسى الارتباط بينهما روحاً ومادةً!) أما الكتابة على الحاسوب فمختلفة تماماً، إذ تسجل ما يتداعى في فكر الكاتب وما تجود به قريحته فقط؛ وعبرها، أو بواسطتها، لا يستطيع الكاتب مراجعة كتابته كحالةٍ فيضيةٍ (إنسانية خاصة)، بل يراجع المادة التي سجَّلها فقط؛ وعلى أية حال، فإن كل الأدوات الحديثة التي دخلتْ مجال الكتابة والطباعة اليوم تندرج تحت مسمى الدواة والقلم ــ على سبيل المجاز ــ، إذ بها يُكتب ويُدوَّن، بمعنى: يُخطُّ ويُطبع.. [15] سورة العلق (وهي السورة الأولى نزولاً)، 3-5. [16]مُقسِماً بالقلم: تشريفاً له ولدوره، وحثاً على اعتماده منهجاً علمياً أساسياً وأصلاً لتطوَّر الحياة بمختلف مجالاتها. [17] سورة القلم (وهي السورة الثانية نزولاً!!)، 1. [يرجى مراعاة أن الشاهدين حول دور القلم وأهميته قد أتيا ــ حكمة وتقديراً ــ في بداية الوحي السماوي حيث وردا في أول سورتين نزلتا على نبينا ــ نبي الرحمة ــ محمد (ص).] [18]العُذيق: تصغير "العَذق"، وهو النخلة عند أهل الحجاز. [19]المرجَّب: المدعوم بالرُّجبة، وهي دعامة تُجعل تحت النخلة التي يكثر حَملها، وهذا هو كرمها. والعُذيق المرجَّب يُضرب به المثل، فيقال: أكرم من العُذيق المرجَّب. [20]الخواطل: جمع الخطل، وهو فساد الرأي والمنطق. [21]خزانة الأدب وغاية الأرب، أبو بكر بن علي بن عبد الله المعروف بابن حجة الحموي (767-837)هـ، دراسة وتحقيق الدكتورة كوكب دياب، دار صادر، ط1، مج4، ص374. [22]لسان العرب، ابن منظور، مادة: ألف. [انظرطبعة دار المعارف، مج1، ج2، ص108] [23]سورة القصص، 51. [24]أساس البلاغة، الإمام جار الله محمود بن عمر الزمخشري، حققه وقدم له وصنع فهارسه الدكتور مزيد نعيم والدكتور شوقي المعري، مكتبة لبنان ـ ناشرون، ط1، ص908. [25]مجمع البيان في تفسير القرآن، أمين الإسلام أبو علي الفضل الحسن الطبرسي، مؤسسة الأعلمي، ط2، مج7، ج20، ص445. [26] الميزان في تفسير القرآن، العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، مؤسسة الأعلمي، ط1، مج16، ج20، ص54. [27]لكلمة التوصيل معنى كبير جداً، وللتوصيل أنواع كثيرة جداً. قال الإمام علي بن أبي طالب (كرَّم الله وجهه) في التوصيل "الإلهي" بين الخلائق وأقرانها: المنشئُ أصنافَ الأشياء بلا رويَّةِ فِكرٍ آل إليها، ولا قريحةِ غريزة أضمر عليها.. لاءَمَ بقدرته بين متضادِّها، ووصَّل أسباب قرائنها (*)، وفرَّقها أجناساً مختلفاتٍ في الحدود والأقدار والغرائز والهيئات.. [نهج البلاغة، الخطبة 91] (*) القرائن جمع قرين، ويُطلق على النفس والعشير والمقارِن، أيْ: الأشباه والنظائر؛ والمعنى: إنه ــ جلتْ قدرتُه ــ هو الذي أوجد المقارنة والمشابهة بين الأشياء، كما أوجد الملاءمة بين الأضداد في جهة من الجهات. ووصَّل أسباب قرائنها: أيْ جعل أسباب القرائن موصولة بعضها ببعض حتى تجتمع قرينة كل شيء مع ذلك الشيء. [في ظلال نهج البلاغة: محاولة لفهم جديد، محمد جواد مغنية، دار العِلم للملايين، ط4، مج2، ص17] [توضيح نهج البلاغة، الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي، دار العلوم، ط1، مج2، ص56] [28]انظر البرهان في تفسير القرآن، العلامة المحدِّث السيد هاشم البحراني، مؤسسة الأعلمي، ط1، مج6، ج20، ص78-79. [29] ميزان الحكمة، محمد الرشيهري، دار الحديث ـ دار إحياء التراث العربي، ط1، مج8، ص3527. [30] ميزان الحكمة، محمد الرشيهري، مج8، ص3528. [31] ميزان الحكمة، محمد الرشيهري، مج8، ص3527. [32] ميزان الحكمة، محمد الرشيهري، مج8، ص3527. [33] ميزان الحكمة، محمد الرشيهري، مج8، ص3526. [34] ميزان الحكمة، محمد الرشيهري، مج8، ص3528. [35] مسند الإمام علي بن أبي طالب، السيد علي عاشور، دار نظير عبود، ط1، مج17، ص109. [36] مسند الإمام علي بن أبي طالب، مج17، ص109. [37] مسند الإمام علي بن أبي طالب، مج17، ص108. [38] مسند الإمام علي بن أبي طالب، مج17، ص108. [39]محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء، أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل المعروف بالراغب الأصفهاني المتوفَّى 502هـ، تحقيق الدكتور رياض عبد الحميد مراد، دار صادر، ط2، مج1، ص200. [40] يجب إمعان النظر في سبب استخدام هذه الرمزية العالية الدقيقة في هذا النص الشريف، لا سيما في كلمة "نار"، والتي تدل على الشدة لتحمل المسؤولية الجدية، وكلمة "الخريف" التي تدل على انقضاء عام هلاك.. والله أعلم. [41] كنز العمال: 14957. انظر: ميزان الحكمة، محمد الرشيهري، مج8، ص3482. [42]سنن النسائي، 7/244. انظر: عيون الأخبار، أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، المكتبة العصرية، ط1، مج1، ج1، ص57. [43] سورة الأنفال، 63. (تمام الآية: وألَّف بين قلوبهم لو أنفقتَ ما في الأرضِ جميعاً ما ألَّفتَ بين قلوبهم ولكن اللهَ ألَّف بينهم إنه عزيز حكيم) [انظر مهتماً بحث: سر العبادة وغاية الخلق، سام محمد الحامد علي] [44]سورة الحجرات، 13. [45]سورة المجادلة، 11. أضف الى المفضلة (166) | أضف الى موقعك | المشاهدة: 1461
فقط الأعضاء المسجلين هم يستطيعوا اضافة تعليقات. قم بتسجيل الدخول أوالتسجيل بالموقع. Powered by AkoComment Tweaked Special Edition v.1.4.6 AkoComment © Copyright 2004 by Arthur Konze - www.mamboportal.com All right reserved |