|
فاتحة بين إحجام القرآن الكريم عن كشف أسرار "الروح" وتردد علماء المسلمين عن الخوض في معناها، وبين مضامين أبحاث العلماء وآراء الفلاسفة حول "الروح"، يجد المرء نفسه ضائعاً مشتتاً..! فلو وقف العلماء عند الحدّ القرآني في الحديث عن "الروح" لكُنَّا بغنى عن إشغال النفس بما لا ينفعها؛ ولكن، كيف يمكننا الوقوف على الحياد ونحن أمام عشرات الطروحات الفلسفية والدينية لــ: "الروح". ووجدتُ نفسي كسائر الخلق، معنياً بالأمر، وعليَّ أن أقبل إحدى الطروحات وأن أرفض أو أستبعد ما عداها..
فمن الصعب بمكان الاكتفاء بالتجاهل أو عدم الاكتراث، والمطلوب من كل شخص إبداء رأيه بما يطرحه الآخرون، حتى لو تبعيةً لعالِمٍ ما. فقررتُ أن أدرس أمْر "الروح" بما لا يخالف القرآن، بل ينطلق منه وينتهي إليه؛ حتى أتوصَّل إلى كشف مدى صحة المعلومات المطروحة حول هذا الخصوص، ومن ثم أُنهي بحثي بتبيين معنى "النفس"، وهي الكلمة المستعملة قرآنياً للدلالة على "روح الإنسان". "الروح" في اللغة والقرآن لا شك أن كلمة "الروح" قد أخذتْ حقها من الدراسة والبحث عند معظم المتخصصين بهذا المجال من الدراسات والأبحاث، ولكن لم ينجَزْ إلى الآن ــ على حدِّ علمي ــ أيّ خلاصةٍ علمية، معرفية، دينية، حول هذا الأمر؛ وهذا ما أرغب بإنجازه. وباعتبار أن اللغة هي مفتاح فهم المعاني المرادة من الألفاظ والكلمات الموضوعة فقد قررتُ أن أبدأ بها، ثم أتوجَّه إلى القرآن الكريم الذي عليه اعتمادنا؛ والله الموفِّق، وهو الهادي. الروح في اللغة: {الراء والواو والحاء أصل كبيرٌ مطَّرد[1]، يدل على سعة وفُسْحةٍ واطِّراد[2]. وأصل ذلك كله الريح؛ وأصل الياء في الريح الواو، وإنما قُلبتْ ياءً لكسرة ما قبلها. فالرُّوح روح الإنسان، وإنما هو مشتقٌ من الريح، وكذلك الباب كله. ويقال: أراح الإنسان إذا تنفَّس.}[3] {وقد أُطْلِقَ (الرُّوحُ) على القرآن، والوحي، وعلى جبريل في قوله تعالى: "الروح الأمين"، "وروح القُدُسِ". والرُّوح: عيسى ــ عليه السلام ــ. والرُّوح: ما به حياة النفس.}[4] أما الروح في القرآن فيمكن تصنيفها حسب أنواع الآيات التالية: 1- الروح = مخلوق عظيم : * "يومَ يقومُ الروح[5] والملائكةُ صفاً"[6]. 2- الروح = جبريل[7] : - روح القُدس : * "قل نزَّله[8] روحُ القُدُسِ[9] من ربِّك بالحق ليثبِّتَ الذين آمنوا وهُدىً وبشرى للمسلمين"[10]. * "إذ قال اللهُ يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيـَّدتك بروح القُدُسِ تُكلِّم الناس في المهد وكهلاً.."[11]. - الروح المرسَلة (رسول من الملائكة) : * "فأرسلنا إليها روحنا[12] فتمثَّل لها بشراً سوياً. قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنتَ تقياً. قال إنما أنا رسول ربِّك لأهب لك غلاماً زكياً"[13]. - الروح الأمين : * "نَزَلَ به[14] الرُّوحُ الأمينُ"[15]. 3- الروح = الوحي : * "يـُنزِّلُ الملائكةَ بالروحِ[16] من أمره[17] على مَن يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقونِ"[18]. 4- الروح = القرآن : * "وكذلك أوحينا إليك روحاً[19] من أمرنا[20]"[21]. 5- الروح = النور والرحمة، والنصر، والفَرَج: - روح من الله : * "أولئك[22] كَتَبَ في قلوبهم الإيمانَ وأيـَّدهم بروحٍ منه[23] ويدخلهم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار"[24]. * "إنما المسيحُ عيسى ابن مريم رسولُ الله وكلمتُه ألقاها إلى مريم وروح منه[25]"[26]. - روح الله[27] : * "لا تيأسوا من رَوح الله[28] إنه لا ييأس من رَوح الله إلا القوم الكافرون"[29]. 6- الروح = القدرة والأمر الخفي : [من روح الله[30]]: - من روحنا[31]: * "ومريمَ ابنتَ عمران التي أحصنتْ فرجها[32] فنفخنا[33] فيه[34] من روحنا[35]"[36]. - من روحي[37]: * "فإذا سويَّتُه ونفختُ فيه[38] من روحي[39]"[40]. - من روحه[41]: * "ثم سوَّاه ونفخ فيه[42] من روحه[43]"[44]. [من أمر الله] : - الروح : * "ويسألونك عن الروح[45] قل الروح من أمر ربي[46] وما أُوتيتم من العِلم إلا قليلاً"[47]. 7- الروح = الراحةُ والفَرَحُ : * "فأما إنْ كان من المقربين فَرَوْحٌ[48] وريحان وجنَّةُ نعيمٍ"[49]. خلاصة: يتبين لنا مما تقدَّم أن كلمة الروح استُعملتْ في القرآن الكريم لثلاثة غايات: * الغاية الأولى: للإشارة إلى عظمة وخطورة مخلوقٍ ما أو أمرٍ ما، كما في الحالات الأربعة الأولى. {الروح: (1) المخلوق العظيم، والذي يُرجَّح أنه من الملائكة، وإنما أُفرد للتنبيه إلى خاصيته؛ (2) جبريل، مع احتمال أن يكون هو المعني بالمخلوق العظيم؛ (3) الوحي؛ (4) القرآن.} * الغاية الثانية: للإشارة إلى هدى الله (كتبه أو أنبيائه)، ونوره (نور القلب والبصيرة)؛ وفَرَجه ونصره. * الغاية الثالثة: للإشارة إلى سرٍ ما وحكمةٍ ما، وأعني بالسر القدرة الجارية عند الخلق والتكوين، وإنما نسميها سراً لعظمتها وعدم إحاطتنا بها، وأعني بالحكمة تقدير الله في خلقه ولطفه..
الروح عند الفلاسفة والمتكلِّمين لعل عرْض آراء جميع الفلاسفة حول حقيقة "الروح" أمْر يحتاج إلى كتاب مفرد، وقد يكون مثل هذا العمل عملاً غير ذي نفعٍ، إذ كثرة التناقض والاعتماد على الوهم والتخمين والظن أهم وأول ما سيستخلصه مَن يطلع على تلك الآراء! لذا سأكتفي بطرح صفوة الآراء الفلسفية والعلمية حول "الروح"، مراعياً الشمولية دون الإطالة؛ والله الموفِّق، وهو الهادي. * قال النظَّام[50]: "إن الإنسانَ في الحقيقة هو النفس والروح، والبدن آلتها وقالبها"[51]. * قال الغزالي[52]: "إن الروح هي نفسك وحقيقتك"[53]. أما الروح عند المتكلِّمين من أهل الكتاب فهي: "أقرب دائماً إلى الدلالة على العنصر الجوهري وغير المحسوس في كائن ما، وعلى ما يجعله يحيا، وما يصدر عنه"[54]. قال د. عبد الرحمن بدوي: {اللفظ "نَفْس" سواء في العربية، وفي اليونانية واللاتينية وما انحدر منهما من لغات صوتية، مأخوذ من التنفُّس، هبوب الريح.} [55] قال شيخُ الكلامِ أبو الهذيل العلاف[56]: {الروح غير الحياة، وقد يجوز أن يكون الإنسان في حال نومه مسلوب النفس والروح دون الحياة. قال الله ــ عزَّ وجلَّ ــ: "اللهُ يتوفَّى الأنفسَ حين موتها والتي لم تمُت في منامها"[57].}[58] أما الروح عند العلماء الذين يحاولون التوفيق بين الطرح الفلسفي وبين الطرح الديني مع مراعاة الطروحات والمعطيات العلمية الحديثة فهي: "القدرات الكامنة في صميم كيان كل شيء في الوجود"[59]. الروح عند علماء الإسلام قال الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني[60]: "لم يقع في القرآن تسمية روح بني آدم روحاً بل سماها نفساً"[61]. قال ابن حزم الأندلسي[62]: "النفس والروح اسمان مترادفان لمسمَّى واحد، ومعناهما واحد"[63]. {و"الـنَّفْس": مذكَّر إنْ أُريد به الشخص، ومؤنث إنْ أُريد به الروح. وهي ذات الشيء وحقيقته وعينه.} [64] خلاصة واستنتاج: إن النفس البشرية هي الروح الإنسانية حسب المُلاحظ من ورود كلمة "النفس" في القرآن الكريم، حيث وردت بمعنى الشخص الآدمي أو الروح الإنسانية..، دون ذكر صريح لتسمية "روح الإنسان". وإنَّ تلك النفس، وهي الروح، لا تعني الحياةَ بالمعنى الحرفي للكلمة؛ فلو عنتِ الحياةَ لَكان النومُ موتاً حقيقياً، حيث يقول الله ــ تبارك وتعالى ــ في كتابه العزيز: "الله يتوفَّى الأنفسَ حين موتها والتي لم تمُت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموتَ ويرسل الأخرى إلى أجل مسمَّى"[65]. إذاً، يقبض اللهُ الأنفس جميعاً حين النوم ــ قبضاً جزئياً أو نوعياً ــ، بمعنى لا تكليف على الإنسان النائم حتى يصحو؛ ويمسك اللهُ الأنفسَ التي قضى عليها أن تموت وهي نائمة، بمعنى يسلب الحياة من شخص المتوفَّى؛ ويرسل الأخرى، بمعنى يسرِّحها من القبض، وهي حالة استيقاظ الإنسان ودخوله في الوعي الحقيقي والإدراك، فيتابع في تكليفه حسب الأوامر والنواهي..
الروح بين الموت والبعث لقد مال جمهور المسلمين، من علماء ومتبعين، إلى القول بعذاب القبر أو نعيمه؛ واتفق جميع المسلمين على وجود البرزخ[66]، وأنه حق[67]، ولا غرابة في هذا الإجماع إذ نص الآية واضح وصريح، وهو قوله ــ تعالى ــ: "ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون"[68]. أما عن عذاب القبر فلأئمة المسلمين أقوال كثيرة مشهورة، نذكر منها ــ على سبيل المثال لا الحصر ــ قولَ الإمامِ النووي: {اعلم أن مذهب أهل السنة إثبات عذاب القبر، وقد تظاهرت عليه دلائل الكتاب والسنة، قال الله تعالى: "النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة"[69] الآية. وتظاهرت به الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية جماعة من الصحابة في مواطن كثيرة، ولا يمتنع في العقل أن يعيد الله تعالى الحياة في جزء من الجسد ويعذبه، وإذا لم يمنعه العقلُ وَوَرَدَ الشرْعُ به وَجَبَ قبولُه واعتقاده، وقد ذكر مسلم (في صحيحه) أحاديث كثيرة في إثبات عذاب القبر وسماع النبي صلى الله عليه وسلم صوت من يعذَّب فيه، وسماع الموتى قرع نعال دافنيهم، وكلامه ــ صلى الله عليه وسلم ــ لأهل القليب وقوله: "ما أنتم بأسمع منهم"، وسؤال المَلكين الميت وإقعادهما إياه وجوابه لهما والفسح له في قبره وعرْض مقعده عليه بالغداة والعشي..؛ والمقصود أن مذهب أهل السنة إثبات عذاب القبر كما ذكرنا خلافاً للخوارج، ومعظم المعتزلة وبعض المرجئة نفوا ذلك[70].}
النفس في اللغة والقرآن النفس في اللغة[71]: {النون والفاء والسين أصل واحد يدل على خروج النسيم كيف كان[72]، من ريح أو غيرها، وإليه يرجع فروعه.}[73] والنفس هي الروح[74]. والنفس في كلام العرب يجري على ضربين: أحدهما قولك خرجتْ نفْسُ فلانٍ، أيْ روحُهُ؛ وفي نفْسِ فلانٍ أن يفعل كذا وكذا، أيْ في رُوْعِهِ. والضرب الآخر معنى النفْس فيه معنى جملة الشيء وحقيقته، تقول: قَتَلَ فلانٌ نفسَهُ وأهلك نفسَهُ، أيْ أوقع الإهلاكَ بذاته كلها وحقيقته. والجمع من كل ذلك أنفس ونفوس[75]. والنفْسُ عينُ الشيء وكنهه وجوهره؛ والنفْسُ: الجسدُ، والدم[76]. والنفسُ عند علماء أهل الكتاب تدل على الإنسان في كلِّيَّتِهِ[77]. النفس في القرآن: وردت كلمة النفس في القرآن الكريم بمعاني عديدة أهمها وأكثرها وروداً هي نفس الإنسان، والتي تعني الشخص بعينه، وقد تنوعت صور النفس الإنسانية في القرآن على نحو إعجازي، بحيث لا نجد جانباً من جوانب الإنسان الداخلية[78] إلا وقد مرَّ القرآن الكريم على ذكره، وهذا مما يُصنَّف في باب البرهان على أن كتاب المسلمين كتاب من عند رب العالمين، فالخالق وحده هو الذي يستطيع أن يأتي على كل ما يخص الإنسان ويحتاجه، وقد رأى المحققون ذلك في القرآن الكريم على كافة مستوياته، وفي جميع أنواعه. أقول: تُقسم أنواع النفس، حسب الورود القرآني، إلى ثلاثة أنواع، نوع يمثل المعنى الرئيسي والأساسي للكلمة، وهو الإنسان عموماً، أو الإنسان بحقيقته، وهو أكثر الأنواع وروداً في القرآن؛ ونوع يتحدث عن حالات النفس الإنسانية وزُمَرِهَا، ونوع يمثِّل خاصية كلمة "النفس"، وهي داخلية كل إنسان وأعماقه. النوع الأول: [النفس = الجنس الآدمي]: * "ونفسٍ وما سواها / فألهمها فجورها وتقواها / قد أفلح من زكَّاها / وقد خاب مَن دسَّاها"[79]. قوله: "ونفسٍ وما سواها": قَسَمٌ بالنَّفْس الآدمية، وقوله: "فألهمها فجورها وتقواها": كقوله: "وهديناه النجدين[80]"، أيْ بيَّن اللهُ للإنسانِ طريقَ الخيرِ والتقوى وطريقَ الشرِّ والفجورِ، وقوله: "قد أفلح مَن زكَّاها": أيْ قد أفلح مَن طهَّرها بطاعة الله وصالح الأعمال[81]، وقوله: "وقد خاب من دسَّاها": أيْ قد خاب مَن جعلها خسيسة بالمعصية والأعمال القبيحة. [النفس = الشخص[82]]: * "ما كان لنفْسٍ أن تؤمن إلا بإذن الله"[83]. أيْ: بأجلٍ من الله، وهو الاستحقاق المتأتي عن النية والعمل..، لا بإكراهٍ من الله وإلزامٍ منه.[84] * "لا يُكلِّف اللهُ نفساً إلا وسعها لها ما كسبتْ وعليها ما اكتسبت"[85]. * "إن أحسنتم لأنفسكم[86] وإنْ أسأتم فلها"[87]. * "فلا تُزكُّوا أنفسَكم هو أعلم بمَن اتَّقى"[88]. * "كلُّ نفسٍ ذائقةُ الموتِ"[89]. النوع الثاني[90]: [1ــ النفس المطمئنة]: * "يا أيتها النفس المطمئنة / ارجعي إلى ربِّك راضية مرضية"[91]. [2ــ النفس اللوامة]: * "ولا أُقسم بالنفس اللوامة"[92]. اللوامة: كثيرة اللوم لنفسها، على الخير أو الشر[93]. [3ــ النفس المجادلة]: * "يومَ تأتي كلُّ نفسٍ تجادل عن نفسها وتوفَّى كل نفسٍ ما عملتْ وهم لا يظلمون"[94]. [4ــ النفس الأمارة بالسوء]: * "إنَّ النفسَ لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إنَّ ربي غفور رحيم"[95]. [5ــ النفس الموسوِسة]: * "ولقد خلقنا الإنسانَ ونعلمُ ما توسوِسُ به نفسُه"[96]. [6ــ النفس المُسَوِّلَة]: * "وكذلك سوَّلتْ لي نفسي[97]"[98]. [7ــ النفس النادمة]: * "أنْ تقول نفسٌ يا حسرتي على ما فرَّطتُ في جنب الله وإنْ كنتُ لمِن الساخرين"[99]. النوع الثالث[100]: [النفْس = الداخل والسر]: * "واذكر ربَّك في نفسِك[101] تضرُّعاً[102] وخيفةً[103]"[104]. * "وتخفي في نفسك ما الله مبديه"[105]. * "فأسرَّها يوسفُ في نفسه"[106]. [النفس = الوِجْدان[107]]: * "ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتاً من أنفسهم كمثل جنةٍ بربوة.."[108]. وقوله: "تثبيتاً من أنفسهم"، يعني: تصديقاً ويقيناً[109]، منطلقاً من أصل أنفسهم[110]. وهذا التثبيت أتى من صدقِ إيمانِ الشخص، الناتج عن وعيٍ داخليٍّ وتجربةٍ محسوسةٍ وهما من الأعمال المنسوبة إلى النفس[111]. نتيجة البحث لم يكن معنى كلمةُ "الروحِ" وليدَ اللغة العربية وإنما وليد الفِكر الإنساني من فجر وجوده، ولم تكن آراءُ الناسِ حول ذاك المعنى إلا خلاصةً لتجاربهم وتجارب مَن سبقهم، وهذا إنَّ دلَّ على شيء فإنما يدلّ على عمقِ تأثُّر الإنسانِ بمعنى تلك الكلمة، ومدى ارتباطه بها. وقد بقيت الروح أحد أهم الأسرار وأغمضها في معظم الديانات التي نعرفها اليوم. وباعتبار أن الإسلام هو واحد من الديانات، وآخرها، كان لا بد له من التعامل مع تلك الكلمة من خلال مفهوم الناس لدلالاتها؛ فعبَّر بها عن حقائق وجودية ملموسة كــ: "القرآن"، أو حقائق وجودية معقولة كــ: "الوحي، وجبريل". أو حقائق مادية مكنوزة كــ: "شرارة الخَلْق الإنساني الأولى".. ولا شك أن كُلاً مما ذكرنا ينطبق عليه تماماً معنى "الروح" اللغوي. فالقرآن الكريم روح، وبه حياة الأنفس، وهو روح من حيث مضمونه. وكذلك الوحي وجبريل، فالوحي أو النبوة هو روح لأنه أمْر معنوي ينتج عنه حياةُ أنفسٍ وصلاحُ مجتمعٍ، فيقال عن امرئ عاد إلى فطرته بعد غربة عنها: "دبَّت فيه الروح".. وجبريل روح أيضاً، فهو كائن لطيف غير مرئي بالعين المجرَّدة، من الملائكة جنساً، يراه من البشر مَن أذن الرحمن له، كالنبي محمد ــ ص ــ ومريم العذراء، وسُمِّي روحاً لظهور أثره وغياب جسمه. وكذلك "السر" أو "القدرة" التي تمت بها عملية "الخلْق الأول"، من العدم إلى الوجود، وهي مرحلة تكوين المادة الأولى؛ أو تخليق المادة ليتكوَّن منها الكائن الحي، فالعملية عملية علمية منطقية سليمة، تمت بأمْر الله وقدرته، ولكن رأينا أثرها وهو وجود الكائن الحي، ولم نُدرك كيفيَّتها بالتمام فاندرجت تحت مسمَّى "الروح"، وهذا القاسم المشترك بين الطرح القرآني لكلمة "الروح" الخاصة بالجنس البشري، وهو السر والقدرة، وبين مفهوم الناس لكلمة "الروح" أنها سر الحياة الحقيقي، وهو وجود جوهر الكائن الحي بذاته..! وهنا يبرز إشكالان، وهما: إشكال طريقة التعاطي مع النصوص الإسلامية التي يرد فيها لفظ "الروح"، كبعض الأحاديث الشريفة وأقوال بعض علماء الإسلام الأوائل؛ وإشكال وجود البديل عن المفهوم السائد للروح عند الناس، وسُبل إيصال جوهر الفِكرة البديلة إلى الجمهور. أما الإشكال الأول: فمعالجته بسيطة، حيث أن لفظ "الروح" والذي يُقصد به روح الإنسان لم يرد في الأحاديث الشريفة إلا نادراً جداً، وإنْ طُـبِّق نظام "الجرح والتعديل" في تمحيص الأحاديث نكاد لا نجد بسهولة أيَّ حديث لرسول الله ــ ص ــ يتحدَّث عن روح بني آدم، والسبب واضح وهو أن القرآن الكريم لم يتحدَّث عن "روح الإنسان" بهذه العبارة، بل نسب قدرة خلْق الإنسان بهذه الخلقة البديعة إلى عظيم قدرة الله وحكمته، "الروح من أمر ربي": أيْ الخلْق والحياة بقدرة ربي؛ وتحدَّث القرآن الكريم بإسهاب عن "النفس البشرية"، وقد تكرر ذكر تلك النفس في الأحاديث الشريفة؛ ولا ننسى الإشارة إلى الأسلوب التعبيري البليغ الذي استــُعـمِـل في الأحاديث ــ الصحيحة ــ لإيصال جوهر الفِكرة أو الحكمة من أمرٍ ما أو حُكمٍ ما، ولا غرابة في استخدام الشائع من الكلمات والعبارات.. أما علماء المسلمين، فَهُمْ غير معصومين، وكلامهم غير مُلزم إذا لم يكن مستنداً إلى نصٍ قرآني أو حديثٍ شريف، مع احتمال اعتماد الصالحين منهم ــ رض ــ لأسلوب سيد الخلْق في التعبير.. أما الإشكال الثاني: فيمكن معالجته بالطرح التالي: إذا أردنا بديلاً علمياً ومنطقياً ذا أصلٍ قرآني يسهل فهمه على الناس وتقبّله فإنَّ علينا أن نُخلِّص الناسَ أولاً من وَهْمِ الأفكار والآراء السابقة، ثم نطرح البديل. ولعل خير طريقة لإنجاز ذلك مناقشة كل الاحتمالات الممكن القول على أساسها بوجود "الروح"، وهما احتمالان لا ثالث لهما، احتمال يقوم على المعنى المباشر والأساسي لعبارة "روح الإنسان"، واحتمال يقوم على المعنى غير المباشر والفرعي لتلك العبارة. أقول: إن الاحتمال الذي يقوم على أساس أن "الروح الإنسانية" مخلوق قائم بذاته، تقترن بالجسد ثم تنفصل عنه، وهي أقدم منه، وتبقى بعد فنائه، هو الاحتمال الأكثر اعتماداً لدى غالبية الناس؛ ولغموض المبدأ الذي يقوم عليه هذا الاحتمال وضبابية الأقوال الواردة بخصوصه، اعتــُبرت الروح سراً خطيراً أعظم من جميع الأسرار الكونية وعِلماً جليلاً تعجز إمكانات العقل البشري عن إدراكه، فحيكت الديباجات، وحار العلماء، وغدا ذاك السر ككرة الثلج، كلما دارت دورة كبر حجمُها! وقد اعتمد مروِّجو هذا الاحتمال على قول الله ــ تبارك وتعالى ــ في كتابه العزيز: "ويسألونك عن الروح قل الروح من أمْر ربي وما أُوتيتم من العِلم إلا قليلاً"[112]. وقد فهموه بمعنى: ويسألك الناسُ يا محمد عن الروح الإنسانية التي تكون حياة الإنسان بها، فقل إن تلك الروح من خاص عِلم الله، وسرها من أدق الأسرار، وليس باستطاعتكم إدراك حقيقتها لأن عِلمكم قاصر؛ وفي هذا الطرح نهي عن محاولة دراسة موضوع "الروح"، واعتبار أمرها أمْراً غير مكلَّفين بالبحث فيه، وربما كان ذلك رأفة بنا ورحمة..! وقد غاب عن القائلين بهذا القول أن الناس سألتْ سيدنا محمد ــ ص ــ عن الله، ولم يأتِ النهي عن البحث في ذلك، أو الإشارة إلى عدم تكلُّف النظر به، بل العكس تماماً، حيث أنزل الله ــ سبحانه وتعالى ــ ما يجلي للناس حقيقةَ إلههم الذي يعبدونه، فقال: {قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفواً أحد.}[113] لماذا لم تكن أحدية الله أو صمديته أبعد عن عقل الإنسان من روح الإنسان نفسه؟ ولماذا لم يقل اللهُ للناس عندما أرادوا أن يتعرَّفوا عليه: "وما أوتيتم من العِلم إلا قليلاً"؟ وما ذنب الناس إن لم يؤتوا من العِلم إلا قليلاً؟ الواضح هنا أن الناس، أو بعض اليهود، سألوا سيدنا محمداً ــ ص ــ عن روح الإنسان فأجابهم الله بكلمة "الروح" فقط للغاية التي أشرنا إليها سابقاً، وهي أن الله استعمل كلمة "الروح" لمعانٍ تفهمها الناس بما لا يخالف الحقيقة، فقال: "الروح من أمر ربي"، بمعنى منشأ الحياة بأمر الله[114] وبقدرته[115]، ولم يتسنَّ لكم فهم ذلك بكيفيته العلمية لأن البحث العلمي عندكم معطَّل، والمعطيات العلمية التي وصلتم إليها لا تخوِّلكم معرفة ذلك على التحقيق؛ مع عدم قول الله أو إشارته إلى أنه لن يكون بمقدور الإنسان ذلك أبداً، لأن الروحَ سرٌّ أكبر من كل الأسرار! وبناءً على ما قدَّمنا نستطيع القول: إذا كان للإنسان روح فإنه يحق لنا أن نتعرَّف عليها، وإنْ لم نوفَّق إلى معرفتها بشكل كامل فلا بدَّ أن نحصل على بعض المعلومات والحقائق عن وجودها ــ إنْ كانت طبيعتها وماهيتها خفية إلى درجة يصعب تناولها ــ! إذاً، فلنتساءل ما نشاء، ولنحصل على ما يمكن الحصول عليه من أجوبة لأسئلتنا. ما هي الروح الإنسانية وما طبيعتها؟ ما العلِّة من وجودها مع الجسد، ولماذا لا يكون جسد الشخص وما يبقى منه هو كل شيء بالنسبة إليه؟ متى وُجدت الروح ومتى أجلها؟ وهل الروح ــ بأصلها ــ خيِّرة أم شريرة أم هناك أنواع؟ وما علاقة الجسد إذاً إن كان هناك أرواحاً ذوات أنواعٍ؟ وهل مثل هذا الطرح يوافق العِلم؟ وماذا عن النفوس إذاً؟ …. سيقال: الروح الإنسانية هي مصدر الحياة للإنسان، والله أعلم بطبيعتها؛ أما علَّة وجودها مع الجسد فهو لتكامل وجود قوى الخير والشر أو القوى الروحانية ومبدأ الارتقاء، والقوى المادية ومبادئ الحياة الغريزية البشرية، وبمثل ذلك يتمكَّن الإنسان أن يرقى بنفسه أو ينزل بها. أما متى وجدت الروح فعلمها عند الله، وأما أجلها فلها أجل، وهي مرتبطة بأحداث النفختين[116]. وهناك أرواح طيبة وأرواح خبيثة، وأرواح بين البينين. والجسد مجرد صورة للروح وآلة لها، والنفوس المشار إليها هي الكائن البشري بكليَّته، روحاً وجسداً. والآن، لنناقش الطرح السابق الذي يبدو للوهلة الأولى أنه منطقي إلى حدٍّ ما، ومتكامل ومترابط. أقول: لا يمكن القول أبداً أن الروح هي مصدر الحياة للإنسان، فالثابت قطعياً أن الكائن البشري يتكاثر عن طريق الجماع أو التلقيح، وأن نطاف الرجل حية ومتحركة وهي التي تلقِّح بويضة المرأة فيبدأ التخلُّق والنمو بواسطة الحركة والتطور والغذاء.. أو إمكانية التكاثر المستقبلية عبر خلية حية واستنساخ غير طبيعي، وهذا الحال مماثل لحال النطاف من حيث الخلْق من شيء حي آخر. أما إذا قيل كيف تــَّم خلْق الإنسان الأول؟ فالجواب: أنه من تراب كما أشار الله[117]؛ ونفهم ذاك التراب حالياً على أنه مجموعة من العناصر والكائنات التي يمكن أن ينشأ عنها الكائن العاقل بعِلم الله وقدرته؛ أما عن المادة الأولى فالله خالقها، ولا غرابة في القول أن الله يخلق من العدم! وهنا نسأل نحن بدورنا: أين "الروح" من كل ذلك؟ أما بخصوص الطرح الساذج وغير المنطقي والبعيد عن العِلم، وهو أن الأجساد آلة للأرواح وأداة وصورة، فأقول: إنه طرح وثني خرافي من مخلَّفات فلسفة الديانات الوضعية[118] أو الفلسفة الوجودية، والتي يُقطع الآن بعدم صحتها. فكل إنسان له تركيبة جسدية (بيولوجية[119]) معينة ينشأ عنها خاصية وظيفية (فيزيولوجية[120])؛ فهناك عِلم الوراثة، والشخص لا يكون بحال من الأحوال بمعزل عن تركيبة أبويه الوراثية[121]؛ والعِلمُ اليوم يوجِد تفاسير منطقية للكثير من سلوك الفرد وعاداته، وهي التي نشأت من عاملين لا ثالث لهما، الأول: تركيبة جسم الشخص وخاصيته، مع مراعاة ما ورثه عن طريق أبويه. والعامل الثاني: تربية الشخص نفسه وبيئته التي تربَّى فيها، وهما مما يزيدان أو ينقصان في أطباعٍ ما غير مكتسبة، فطرية خَلقية، أو يخلقان أطباعاً وعادات جديدة.. أما عن القوى الروحية والتي يقصدون بها القيم والأخلاق، والقوى المادية والتي يشيرون بها إلى الغرائز، فكل ذلك من الإنسان ذاته. فالقيم والأخلاق والقوانين من صنع الإنسان نفسه أو من تلقيه عن السماء الأوامر والنواهي، وهي تعكس رؤية الإنسان أو السماء لأمرٍ ما أو حالة ما. وكذلك القوى المادية، فهي ناتجة عن تركيبة الجنس الآدمي عموماً، ولا علاقة للقرآن والإسلام بذاك الطرح الثنوي ومبدأ الصراع بين الخير والشر. وإنْ قيل أنه قد أُشير في بعض النصوص الإسلامية إلى أن النفس أمام اختبار يمثل صراعها مع تلك القوى، وهي قوى الخير ــ الطاعة ــ، والشر ــ المعصية ــ، فنقول إن صحت تلك النصوص فهي للتمثيل والتفهيم، ككلمة "الروح" تماماً. أما القول أن هناك أرواحاً بشرية خيّرة وأرواحاً بشرية شريرة وأرواحاً بين ذلك، فخرافة لا أصل لها؛ وهو طرح يناقض مبدأ العدالة الإلهية. فالكائن الإنساني كائن واحد[122]، يتأثر بتركيبة جسده وبتربيته وبيئته، والإسلام جاء ليصلح الكائن الإنساني الموجود، وليوفِّر للجيل القادم المجتمع النموذجي للإنسان الأكمل. أما النفس ــ البشرية ــ التي أُشير إليها أنها الإنسان بكليته فهذا هو طرح القرآن، وبه نقول، وهو حجة على الطرح الذي سبقه. الاحتمال الثاني لوجود الروح هو: إن روح الإنسان ليست إلا الطاقة الكامنة فيه، أو هي الشيفرات التي تتحكم بخلايا الكائن البشري.. أقول: لا يمكن أن تكون الشيفرات المسؤولة عن نمط نمو الخلايا وسيرها ووظائفها هي الروح، فلو كانت كذلك لَكانت "الروح" متجزئة، وغير موجودة أصلاً من دون وجود الخلايا. والصحيح أن تلك النظم الموجودة في الخلايا، أو الخلايا المكوَّنة على تلك النظم، هي من بديع خلْق الله وعجيب صنعته، وهي تقديرٌ من الله وقضاؤه.. أما القول بأن الطاقة الكامنة في صميم الشخص تدل على وجود الروح، وتعبِّر عن حقيقتها، فلا يمت للحقيقة والواقع بصلة! والسبب بسيط، وهو أن تلك الطاقة ناتجة عن جسم الإنسان بحدّ ذاته، لا أن جسم الإنسان ناتج عن تلك الطاقة أو تابع لها؛ ثم كيف يمكن أنْ يُشار إلى مثل ذلك ــ على سبيل التحقيق ــ والطاقة تلك لم تكن موجودة قبل وجود الإنسان ذاته[123]، وإذا استمر وجود الطاقة الخاصة بالجسم البشري ــ بشكل ما ــ بعد تفككه وتحلله فإن ذلك يعني تبعيةً وأثراً للشخص المتوفَّى لا روحاً متحكِّمة أو مدركة على النحو الذي يذهب إليه القائلون بهذه المقالة؛ مع تأكيدنا على الإقرار بقدرة الله على الخلق والبعث والإحياء بالكم والكيف الذي يريده ــ سبحانه ــ. الخلاصة: مع يقيننا الثابت بشرف العلوم الدينية وقدسية جوهرها، وثواب وأجر العلماء ــ رض ــ الذين أفنوا أعمارهم في تقديم الممكن والمتاح من هذه العلوم، نجد أنفسنا مضطرين إلى إعادة النظر في كلِّ أمرٍ لم يُتَّفق أو يجزَم على مفهومه وجوهره. ونحن، وإنْ كنا نقول بقولٍ قد لا ترضاه جميع علمائنا، ملتزمون كل الالتزام بجوهر جميع ما صحَّ من الوارد في المراجع الإسلامية الأساسية، ونرجو من قرَّاء هذا البحث المتواضع أن يأخذوا بعين الاعتبار أنه لا يمكن لبشرٍ طبيعي أن يفهم كل ما جاء في الصحيح الثابت من الأحاديث المنسوبة إلى سيد الخلْق محمد ــ ص ــ، ونعطي مثالاً للتوضيح: هل بإمكان أحد من الناس أن يُفهمنا كيف يُخرج إبليسُ ريحاً، مثل الريح التي يخرجها البشر من دبره، كي لا يسمع الأذان[124]؟ وما هي تلك الريح؟ وما طبيعتها؟! وهذا مثال بسيط، وغيض من فيض؛ وليراجع مَن يرغب الأصاحيح المعتمدة! الروح: هي كلمة تدل عند الناس على جوهر حياة الكائن وسرّ وجوده، وحقيقتها أنها مخرَجٌ للهروب من تساؤلات تتعلَّق بفهم حقائق علمية ومادية لم يتم إيجاد أجوبة كاملة لها. وإذا كُنَّا قد أشرنا في بحث آخر عن "العقل" إلى أنه لا يمكن الاستغناء عن الألفاظ والكلمات الجوهرية في لغتنا وفِكرنا وحياتنا، مثل كلمة "الروح" أو "العقل"، فإننا نود الزيادة على ذلك في هذا الموضع بالقول: هل يستطيع أحد أن ينكر أن هناك إيمان وكفر؟ والجواب البديهي: لا. فأين هما إذاً؟ إن كلاً من الكلمات السابقة: "الروح والعقل والإيمان والكفر"، وما شاكلها من الكلمات الفِكرية الجوهرية، ستبقى في عالمنا الإنساني أداةً وصورةً لفِكرنا الإنساني الخلاق[125]؛ وبعيداً عن محاولة التوفيق بين الطرح الديني والعِلم، إذ الدين ــ في حقيقته ــ عِلْمٌ، والعِلم ــ في جوهره ــ دينٌ، أقول: مَن من العقلاء ينكر قدرة الله على البعث والإحياء؟! وإذا كان الله قادراً على ذلك، وهو كذلك، فلا شك أن جوهر النصوص التي تحدَّثت عن عذاب القبر أو نعيمه، وعن عالَم البرزخ، أو عن أحوال الميت أول ميتته من سؤال الملكين له وسماعه صوت نعال دافنيه بعد مغادرتهم قبره، هو حقيقة عِلمية محضة، وإنْ لم نستطع الآن إدراكها تماماً. فالعِلم ــ في يومنا الحالي ــ يقرّ ببقاء الدماغ حياً، أو جزءاً منه، بعد وفاة صاحبه وفاةً طبيعيةً لفترة قصيرة محدودة؛ والمعروف أن الدماغَ البشري هو مركز الحس والذاكرة، فلا مانع ولا غرابة أن يتغشَّى الدماغ ما يتغشَّاه[126] ليتم أمر الله وحُكمه في الميت.. وقد لا نكون مغالين أو حالمين إذا قلنا أنه لربما وصل العِلم في المستقبل إلى اكتشافات تفيد في البرهان على بقاء خلايا دماغية ما مدة أطول من ذلك بكثير، أو أن الخلايا المسؤولة عن الوعي والحس والإدراك تتحول إلى نوع تنعدم فيه الحاجة إلى غذاء متجدد إلى أجل مسمَّى، وفي حالتها تلك يكون ما يكون من إرادة الله وأمره[127].. المهم، أن آفاق العِلم مفتوحة، والمنطق العِلمي السليم يقبل كلّ طرح يرتكز على أساس صحيح، والله قادر، فأين المشكلة إذاً؟ المشكلة في الفهم الخاطئ لكلمة "الروح"، وأنها شيء يُنفخ في الجسد فتكون الحياة، ثم تغادر الجسد إلى أنْ يُعيد الله تكوينه فتعود إليه، وأنها هي الواعية المدرِكة المتحكِّمة في كل هذه الحالات، ولا شيء للجسد سوى الغريزة! قد يقول أحدهم ما الفرْق الجوهري بين طرحك السابق وفكرة وجود روح للإنسان؟ وأنا أُجيب بالقول: الفرْق هو أنني أقول بالعِلم، وهو الحبل المتين الذي أرادني الله التمسُّك به، وأترك لأهل الاختصاص من العلماء البحث والتقرير في اختصاصاتهم، دون إقحام أفكاري أو فهمي الديني للقضايا العلمية التي أجهل، أو أتجاهل، الكثير من حقائقها وأسرارها. فأنا أقول وأعتقد بحاجة كل خلية حية إلى الله لا الجنين في بطن أمه وحسب، وأقول إن ثبات القانون المادي حسب الأجل أو النظام المُنْشَأ عليه هو رعاية الله لتلك الخلية ولذاك الكائن الحي، وإن الله هو الذي قدَّر كلّ شيء، وأن الجنين بمرحلة ما يتطوَّر تطوَّراً نوعياً طبيعياً نسميه حسب النواميس الدينية "ولوج الروح"، أو ما شابه من العبارات. وأقول وأعتقد أن الله يحيي العظام وهي رميم، وأن ذلك الإحياء يكون لذات الشخص، وأن الله يبعث مَن في القبور؛ ولكن، بإحياء طبيعي منطقي، أيْ بقانون مادي معقول، بتوفير الظروف والعوامل اللازمة لذلك، لا بروح تلج جسداً ما فتحييه. وأنا لا أهتم بكيفية ذلك فالله قادر وعالِم؛ أما فكرة وجود جسد غير حي تنفخ فيه الروح فيصبح حياً فأراها غير منطقية من الناحية العلمية والدينية. فالعلم يُعارض ذلك، والدين يقول غير ذلك، فالله يحيي العظامَ، أي الخلايا المتبقية، أو الرفاة..؛ والله يحيي بنشأة جديدة تكون صالحة فيها للخلود، عن طريق التجدد أو القدرة على البقاء إلى ما شاء، بقدرة الله، ولا غرابة في هذا القول حيث الله عالِم وقادر. وربما يعترض عليَّ أحد بالقول: كيف لا تؤمن بخلق جسد آدمي بغير حياة ثم تُنفخ فيه الروح، والله يقول مثل ذلك في كتابه العزيز؟ أقول: إن الله يقول ذلك على آدم أبي البشر ولا بدَّ لكل شيء من بداية. وهكذا كانت بداية الخلق الآدمي، إذ لا سبيل إلى القول بالولادة من لا شيء، وهذه ليست هي الفطرة، ولا القانون، والله تكلَّم بخصوص البعث عن إحياء لا عن جسد وروح. ومن ناحية ثانية، مَن قال إن نفخة الله هي روح تُدبُّ الحياةَ بالجسد الذي اتخذته مسكناً؟! إن هذا القول هو مجرَّد فهمٍ لنص قرآني لا النص ذاته. فغالب النصوص تتحدث عن أن الله خلق آدم من تراب ثم سوَّاه ثم نفخ فيه، فلماذا لا تكون النفخة أمراً رمزياً؟ أو مرحلة تطوريةً؟ مع الإصرار والتأكيد أن ذلك لم يكن إلا عند خلق آدم لا بنيه، وقد فاض القرآن بذكر أحوال يوم القيامة والقبر والبعث والإحياء، وما أظن الأمر يحتاج إلى أكثر من ذلك. بقي أن أقول: قد يقال لماذا لم يرد في الحديث الشريف أو أقوال السلف الصالحين تصريحٌ بمضمون ما توصَّلت إليه؟ الجواب: الإشارةُ، في عصرٍ لا يوجد فيه تقدُّمٌ علمي ولا عمقٌ بالوعي الفِكري على المستوى المطلوب، خيرٌ من التصريح. وقد يكون بالتصريح آنذاك ضرر ما، والله أعلم. ونتذكر ولا ننسى قول رسول الله ــ ص ــ لزوجته عائشة ــ رض ــ: "يا عائشة، لولا أن قومَكِ حديثو عهدٍ بجاهليةٍ لأمرتُ بالبيت فهُدِّم فأدخلتُ فيه ما أُخرج منه وألزقتُه بالأرض وجعلتُ له باباً شرقياً وباباً غربياً فبلغتُ به أساس إبراهيم".[128] وبهذا أكون قد أنهيتُ بحثي، مقرَّاً بعجزي وعدم إحاطتي، معترفاً بإمكانية الخطأ ولو بمجمل عملي. وأسأل الله أن يجعله عملاً خالصاً لوجهه الكريم، وأن يقبله قبولاً حسناً؛ والحمد لله رب العالمين. كتبه سام محمد الحامد علي ليلة 18 آذار 2004 الحواشي: [1] مطرد: عام، لا شذوذ فيه. (المنجد في اللغة، مادة: طرد) [2] اطَّرد الأمرُ: تبع بعضُه بعضاً، واستقام، وتماثلت أحكامه. (المرجع السابق) [3] معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، مادة: روح. [انظر الطبعة الثانية: الحلبي ـ مصر، 1970؛ مج2، ص454] [4] لسان العرب، ابن منظور، مادة: روح. [انظر طبعة دار المعارف، مج3، ج20، ص1768] [5] عن الصحابي ابن مسعود ـ رض ـ أنه مَلـَك أعظم من السماوات والجبال، وعن الصحابي ابن عباس ـ رض ـ هو مَلـَك من أعظم الملائكة خلقاً. [مفاتيح الغيب: تفسير الفخر الرازي، ط: دار الفكر، تقديم الشيخ خليل محي الدين الميس ـ مدير أزهر لبنان ومفتي البقاع ـ، مج16، ص24. جامع البيان عن تأويل آي القرآن: تفسير الطبري، ط: دار إحياء التراث العربي، ج30، ص30] وعن الصادق ـ رض ـ أنه قال: "هو مَلـَك أعظم من جبرائيل وميكائيل". [مجمع البيان في تفسير القرآن، الفضل الطبرسي، دار مكتبة الحياة، مج6، ج30، ص15] [6] سورة النبأ، 38. [7] هذا الوجه هو الأشهر والأغلب. [8] نزّل القرآن. [9] روح القُدُس: جبرئيل. [تفسير الطبري، ج14، ص210-211] وقيل في سبب تسمية جبرائيل بـ: روح القدس، أن القدس تعني الطهر، والمراد الروح المقدَّس. [انظر تفسير النسفي، النحل: 102. وتفسير البيضاوي. ولسان العرب: روح القدس] [10] سورة النحل، 102. [11] سورة المائدة، 110. [12] جبريل. [تفسير الطبري، ج16، ص72. تفسير الرازي، مج11، ج21، ص197] [13] سورة مريم، 17-19. [14] بالقرآن. [15] سورة الشعراء، 193. [16] الروح: الوحي. [تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ط: دار التراث العربي، مج2، ص561. تفسير الطبري، ج14، ص94] [17] من أمره أي بأمره، ونظيره قوله تعالى: "يحفظونه من أمر الله"، أيْ: بأمر الله، لأن أحداً لا يحفظه عن أمره. [مجمع البيان، الطبرسي، مج4، ج14، ص51. وتفسير البيضاوي..] [18] سورة النحل، 2. [19] يعني القرآن. [تفسير ابن كثير، مج4، ص122. تفسير الرازي، مج14، ج27، ص191] [20] بأمرنا. [مجمع البيان، الطبرسي] {انظر الحاشية المتعلقة بكلمة "من أمره"(رقم17)} [21] سورة الشورى، 52. [22] المؤمنون الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ولا يوادُّون مَن حادّ اللهَ ورسولَه ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم. [انظر مطلع الآية المستشهد بها] [23] معنى الروح في قوله: "وأيـَّدهم بروحٍ منه": يشمل جميع معاني الروح في هذه الفقرة.. [النور، الرحمة، النصر، والفـَرَج] [24] سورة المجادلة، 22. [25] روح منه: رحمة منه. [تفسير الطبري، شرح الآية /171/ من سورة النساء، ج6، ص45] ويؤيد هذا التأويل قول الله ـ تبارك وتعالى ـ عن عيسى ابن مريم: "ولنجعله آية للناس ورحمة منا". [سورة مريم، 21] [26] سورة النساء، 171. [27] روح الله تعني روح منه، وإنما اختلفت الصيغة للتمييز بين الرحمة من الله المتمثـِّـلة برسول بشري وبين رحمة الله المتمثِّلة في تفريج الكرب وفك الضيق.. [28] قال الصحابي ابن عباس: لا تيأسوا من روح الله: يريد من رحمة الله. [تفسير الرازي، مج9، ج18، ص203] وهذا يؤيد قراءة الحسن البصري وقتادة الراء بالضم "رُّوح". [انظر المرجع السابق. وانظر أيضاً تفسير الطبري، ج13، ص61] [29] سورة يوسف، 87. [30] الـ: "من": مصدرية: تدل على أمر الله وقدرته.. قال العلامة الطباطبائي: "من: الدالة على المبدئية". [الميزان في تفسير القرآن، محمد حسين الطباطبائي، مؤسسة الأعلمي، مج20، ص190] ونسبة "الروح" إلى "الله" في عبارة: "روح الله" هي نسبة الأمر والقدرة إلى صاحبها ومالكها، نحو: ناقة الله، بيت الله. و"من روح الله" تعني: من أمر الله، أيْ: بأمر الله. قال تعالى: "ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي". [31] من روح الله. [انظر الحاشية الخاصة بهذه العبارة (رقم30)] [32] إحصاناً كلياً من الحلال والحرام جميعاً كما قالت: "ولم يمسسني بشر ولم أكُ بغياً". (قرآن كريم: سورة مريم، 20) [تفسير الرازي، مج11، ج22، ص219] [33] نـَفـَخَ: أجرى. وتـُستعمل للصعق والإحياء. قال تعالى: "ونـُفِخَ في الصور فَصَعِقَ مَن في السماوات ومَن في الأرض إلا مَن شاء اللهُ ثم نـُفِخَ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون". [سورة الزمر، 68] قال عبد الله بن أحمد النسفي في شرح قوله تعالى "فإذا سوَّيته ونفختُ فيه من روحي": ليس ثمة نفخٍ، وإنما هو تمثيل، والإضافة (في كلمة "روح" إلى الله ـ "روحي") للتخصيص (نحو: أرض الله، وسماؤه..). [تفسير النسفي، شرح الآية (29) من سورة الحجر] [34] قال "فيه" ليبين أن ولادة سيدنا عيسى ـ ع ـ ستكون ولادة طبيعية. قال تعالى: "فحملته فانتبذت به مكاناً قصياً. فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة..". [سورة مريم، 22-23] (أي: فحملت مريمُ بعيسى فحبلت في الحال، فتنحَّت بالحمل إلى مكان بعيد، وألجأها الطلق ـ وهو وجع الولادة ـ إلى جذع نخلة.. تفسير الطبرسي) وقد قال الله في موضع آخر من كتابه: "والتي أحصنتْ فرجَها فنفخنا فيها من روحنا". [سورة الأنبياء، 91] إذاً، ذكر الفـَرْج للدلالة على بشرية المسيح وأنه كآدم خُلق من تراب، "إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون"، وذكر النفخ بالروح ليكون السيد المسيح كمثل سائر الأنبياء والمرسلين من أبناء آدم، أما اقتران كلمة "الروح" بـ: "الفرْج" فقد جاءت لتوافـِق بين طبيعة الإنسان وبين معجزة ولادة العذراء للمسيح من دون رجل، ونرى دلالة ذلك في قوله تعالى: "فنفخنا فيها من روحنا". والتدرج والتنوع من أهم خواص الخطاب في القرآن الكريم. [35] الضمير (نا) في كلمة "روحنا" للنسبة والإضافة إلى الله للتشريف. [تفسير النسفي] إذاً، "من روحنا" هي "من الروح"، و"الروح" هو التكوين والخلق والإيجاد بأمر الله "كن". قال تعالى: "ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي". [الإسراء، 85] [36] سورة التحريم، 12. [37] من روح الله. [انظر الحاشية الخاصة بهذه العبارة (رقم30)] قال أبو عبد الله أحمد بن محمد القرطبي عن إضافة "الروح" إلى الله: إضافة خلْقٍ إلى خالق.. كقوله تعالى: أرضي وسمائي. ومثله: "روح منه". [تفسير القرطبي، سورة الحجر، 29] وقال عبد الرحمن الثعالبي عن الموضوع ذاته: إضافة خلْق ومِلك إلى خالقٍ ومالكٍ. [تفسير الثعالبي، شرح الآية 29 من سورة الحجر] [38] الهاء عائدة على آدم. [39] من روحي: من قدرتي. [تفسير الطبري، ج23، ص216] [40] سورة الحجر، 29. سورة ص، 72. [41] من روح الله. [انظر الحاشية الخاصة بهذه العبارة (رقم30)] [42] الهاء عائدة على آدم. [43] الضمير في "روحه" لله تعالى، وهي إضافة مِلك إلى مالك وخَلـْق إلى خالق. [تفسير الثعالبي، سورة السجدة] [44] سورة السجدة، 9. [45] رأي جمهور المفسرين والعلماء أن الروح هنا ما به حياة الجسد، وأن السؤال كان عن حقيقة "الروح" وماهيتها، ويؤيد ذلك الأحاديث الواردة في صحيحي البخاري ومسلم. [46]من أمر ربي: بأمر ربي، وقدرته. [انظر الحاشية المتعلقة بكلمة "بأمره" (رقم17)، والحاشية المتعلقة بعبارة "من روحي" (رقم36)] [47] سورة الإسراء، 85. [48] الروح: الراحة، والفرح. والريحان: الرزق الطيب.. [تفسير الطبري، ج27، 246-247] [49] سورة الواقعة، 88-89. [50]إبراهيم بن سيار النظَّام (ت231هـ، 845م): متكلِّم معتزلي، منطقي وشاعر؛ وهو تلميذ أبي الهذيل العلاف ومعلِّم الجاحظ. نشأ في البصرة، وأقام في بغداد حيث توفي. ترك أثراً كبيراً في تاريخ الفكر الإسلامي. عارض آراء الفقهاء، وانتقد الجبرية والمرجئة؛ وإليه تـُنسب النظَّامية من فِرق المعتزلة. [المنجد في الأعلام] [51]موسوعة مصطلحات عِلم الكلام الإسلامي، د. سميح دُغيم، مكتبة لبنان ناشرون، مج1، ص620. [52]محمد الغزالي، أبو حامد (ت505هـ، 1111م): متكلِّم، لقِّب بـ: "حجة الإسلام". له: تهافت الفلاسفة، إحياء علوم الدين، المنقذ من الضلال. [المنجد في الأعلام] [53]دائرة المعارف الشيعية العامة، العلامة محمد حسين الأعلمي الحائري، مؤسسة الأعلمي، ط2، مج10، ص120. [54]معجم اللاهوت الكتابي، دار المشرق، ط3، ص384. [55]موسوعة الفلسفة، د. عبد الرحمن بدوي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، مج2، ص506. [56] شيخ الكلام، ورأس الاعتزال، أبو الهذيل، محمد بن الهُذيل بن عبيد الله البصري العلاف، صاحب التصانيف، والذكاء البارع. ولد سنة خمس وثلاثين ومئة، ومات سنة ست وعشرين ومئتين. له كتاب في الرد على المجوس، ورد على اليهود، ورد على المشبِّهة، ورد على الملحدين، ورد على السوفسطائية.. [سير أعلام النبلاء، الإمام شمس الدين الذهبي، مؤسسة الرسالة، ط11، مج11، ص173-174] [57] قرآن كريم: سورة الزمر، 42. [58]موسوعة مصطلحات عِلم الكلام الإسلامي، مج2، ص1394. [59]قصة الإنسان: أصله، بنيته، دوره: د. عبد اللطيف حموش، تقديم جودت سعيد، دار الفكر، ط2، ص393. [60] أحمد بن علي، أبو الفضل، (ت852هـ، 1449م): محدِّث من الأئمة، مؤرِّخ، أديب، شاعر. ولد وتوفي في القاهرة؛ زادت تصانيفه في الحديث والتاريخ والأدب والفقه على مئة وخمسين مصنفاً، منها: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، الإصابة في تمييز الصحابة. [المنجد في الأعلام] [61] فتح الباري بشرح صحيح البخاري، دار الحديث، مج13، ص537. [62] علي بن أحمد، أبو محمد: عالِمُ الأندلس في عصره، وأحد أئمة الإسلام. انتـُقـِد كثيراً من العلماء والفقهاء فتمالأوا على بغضه.. أشهر مصنفاته: الفصل في الملل والأهواء والنحل. [الأعلام، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، مج4، ص254] [63]موسوعة مصطلحات عِلم الكلام الإسلامي، مج2، ص1395. [64]دائرة المعارف الشيعية العامة، مج18، ص171. [65]سورة الزمر، 42. [66]البرزخ: الحاجز بين الشيئين. أو: ما بين الدنيا والآخرة، من وقت الموت إلى البعث. [المنجد في اللغة. انظر هذين المعنيين: تفسير الطبري، ج18، ص66-67. وانظر أيضاً: الميزان في تفسير القرآن، مج17، ج24، ص335. ومجمع البيان في تفسير القرآن، مج5، ج24، ص203 ] [67]انظر قول القرطبي: "الجمهور على أن العرْض (عرْض آل فرعون على النار) يكون في البرزخ، وهو حجة في تثبيت عذاب القبر". [فتح الباري، مج3، ص285] [انظر عن قول أئمة الإسلام بـ: "عالم البرزخ": تفسير ابن كثير، سورة الشورى، 51. مج4، ص122. والحاشية المتعلقة بآية عرْض آل فرعون على النار. (حاشية سفلية لاحقة رقم: 64)] [68]سورة المؤمنون، 100. [69] سورة غافر/ المؤمن، 46. [قال الإمام الرازي في شرح هذه الآية: احتج أصحابنا بهذه الآية على إثبات عذاب القبر، قالوا: الآية تقتضي عرْضَ النار عليهم غدواً وعشياً، وليس ا لمراد منه يوم القيامة لأنه قال: "ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب". وليس المراد منه أيضاً الدنيا لأن عرْض النار عليهم غدواً وعشياً ما كان حاصلاً في الدنيا، فثبت أن هذا العرْض إنما حصل بعد الموت وقبل القيامة؛ وذلك يدل على إثبات عذاب القبر في حق هؤلاء، وإذا ثبت في حقهم ثبت في حق غيرهم لأنه لا قائل بالفـَرق. (تفسير الرازي، مج14، ج27، ص74)] [قال العلامة الطباطبائي في شرح هذه الآية أيضاً: ظاهر السياق أنه بيانٌ لسوء العذاب، وليس من الاستئناف في شيء. والآية صريحة، أولاً في أن هناك عرْضاً على النار ثم إدخالاً فيها، والإدخال أشد من العرْض؛ وثانياً: في أنَّ العرْض على النار قبل الساعة التي فيها الإدخال، وهو عذاب البرزخ ـ عالـَم متوسط بين الموت والبعث ـ؛ وثالثاً: أن التعذيب في البرزخ ويوم تقوم الساعة بشيء واحد، وهو نار الآخرة، لكن البرزخيين يعذبون بها من بعيد، وأهل النار بدخولها. (الميزان في تفسير القرآن، مج17، ج24، ص335)] [انظر أيضاً: مجمع البيان في تفسير القرآن، مج5، ج24، ص203] [70] شرح النووي، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت.. [71] للنفس معاني عديدة، وقد كثرت في محاولة تحديدها الأقوال، وسنجمل فيما سيلي ما يرتبط بجوهر بحثنا وأسلوبه العلمي المنطقي. [72] انظر تقارب المعاني في الأصل بين كلمتي: "الروح" و "النفس". (أصل كلمة الروح من الريح: ص2، وأصل كلمة النفس من النسيم..) [73] مقاييس اللغة، مادة: نفس. (مج5، ص460) [74]القاموس المحيط، الفيروزآبادي، مادة: نفس. (انظر طبعة: مؤسسة الرسالة، ط6، ص577) لسان العرب، مادة: نفس. (مج6، ص4500) [75]لسان العرب. [76]المرجع السابق. [77]معجم اللاهوت الكتابي، ص810. [78]من غرائز وأماني وأحلام وتطلُّعات، نترك الحديث عن ذلك بتفصيله إلى بحث خاص. [79]سورة الشمس، 7-10. [80]سورة البلد، 10. [81]مجمع البيان، الطبرسي، مج6، ج30، ص152. [82]الكائن الحي بذاته. وما أشرنا إليه في المتن هو من المعاني اللغوية حقيقةً، حيث النفس: شخص الإنسان. [المنجد في اللغة] [83] سورة يونس، 100. [84]ونأتي بالآية في سياقها حتى تكون أجلى وأوضح. قال تعالى: "لو شاء ربك لآمن مَن في الأرض كلهم جميعاً أفأنتَ تـُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين * ما كان لنفسٍ أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون ". [سورة يونس، 99-100] ولاستجلاء معنى "بإذن الله"، أكثر، نورد الآية الشريفة التالية، وهي قوله تعالى: "وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً". [سورة آل عمران، 145] [85]سورة البقرة، 286. [86]لذواتكم. {انظر عنوان الفقرة وحاشيتها. (النفس = الشخص. والحاشية77)} [87]سورة الإسراء، 7. [88]سورة النجم، 32. [89] سورة آل عمران، 185. وسورة الأنبياء، 35. وسورة العنكبوب، 57. [90]حالات النفس وزمرها.. [91]سورة الفجر، 27-28. [92]سورة القيامة، 2. [93]انظر تفسير الطبري، ج29، ص207. [94]سورة النحل، 111. [95]سورة يوسف، 53. [96]سورة ق، 16. [97]القول للسامري، وهو حكاية عن تسويل النفس، وقد ذكر الله "تسويل النفس" لصاحبها في مواضع عديدة من القرآن، منها قول النبي يعقوب لبنيه: "بل سوَّلت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون". [سورة يوسف، 18] [98]سورة طه، 96. [99] سورة الزمر، 56. [100]لا بدَّ لنا أنْ ننوِّه على أنّ النفس هنا تمثـِّـل أعماق الوعي والشعور الإنساني، والحالات الذهنية الصرفة. [101]أيْ: سراً. (تفسير الجلالين) [102]تضرَّع إلى الله: ابتهل. [المنجد في اللغة] وابتهل: دعا. [المرجع السابق] ولا ننسى أن لكل كلمة خاصية، فمن خاصية الكلمات بعضها الجامع لخصال البعض الآخر.. [103]الخيفة: حال الخائف. ومن معاني "خاف" في اللغة: اتقى. [المنجد في اللغة] والمراد بالخيفة في الآية الشريفة حال المؤمن الوَجـِل الذي يخشع صوته وقلبه وجسده في دعائه إلى الله وابتهاله إليه، وشاهد ذلك قول الحق ـ تبارك وتعالى ـ في كتابه العزيز: "ادعوا ربَّكم تضرعاً وخفيةً إنه لا يحب المعتدين". [سورة الأعراف، 55] خفية: سراً. المعتدين: في الدعاء بالتشدق ورفع الصوت. [تفسير الجلالين] [104]سورة الأعراف، 205. [105]سورة الأحزاب، 37. [106]سورة يوسف، 77. [107]الوجدان لغةً: هو النفس وقواها الباطنة. [المنجد في اللغة] وأعني به هنا ما يُقال عن "الهمَّة والعزيمة والإرادة.."، وغيرها من خاصيات النفس. [108]سورة البقرة، 265. [109]تفسير ابن كثير. [110]إعراب القرآن الكريم وبيانه، محي الدين الدرويش، دار الإرشاد، ط5، مج1، ص410. [111]قال الفيلسوف ابن باجه في كتابه "النفس": إنَّ العلم بالنفس يُـكسب للناظر قوة على أخذ مقدِّمات لا يَكمل العلم الطبيعي دونها. [موسوعة مصطلحات الفلسفة عند العرب، د. جيرار جهامي، مكتبة لبنان ناشرون، ص529] [112]سورة الإسراء، 85. [113]سورة الإخلاص، 1-4. [114]وهو قوله: "كن". [115]وهو ما ينتج عن القول: "فيكون". أي: وجود. [116]النفخة الأولى هي الصعقة، والنفخة الثانية هي البعث. قال تعالى: "ونـُفخ في الصور فصَعِقَ مَن في ا لسماوات ومَن في الأرض إلا مَن شاء الله ثم نـُفخ فيه أخرى فإذا هم قيامٌ ينظرون". [سورة الزمر، 68] [117] قال تعالى: "يا أيها الناس إنْ كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلـَّقة وغير مخلـَّقة لنبيِّن لكم ونـُقرُّ في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلاً..". [سورة الحج، 5] [118]هي الديانات غير السماوية، والتي وضعها بشرٌ.. [119]البيولوجيا: عِلم الأحياء، وهناك فرع منها اسمه: بيولوجيا الإنسان. [120]الفيزيولوجيا: جمع الوظائف المستقلة لمختلف خلايا الجسم وأعضائه في مجموعة وظيفية واحدة. [أسس الفيزيولوجيا الطبية، Guyton، أعده باللغة العربية عدة من العلماء المختصين بإشراف د. محمد إياد الشطي، دار المعاجم، ط2، المقدمة] [121]انظر "التشخيص والمعالجة الطبية"، دار المعاجم، ترجمة الطبعة32، مج2، ص1901. [122]لقد أشار القرآن الكريم إلى خلْق بني آدم من نفس واحدة في مواطن كثيرة، منها: "ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفسٍ واحدة إن الله سميع بصير". [سورة لقمان، 28] [123]الطاقة التي يشار إليها هنا طاقة تابعة للمادة دوماً.. وهذا هو مفهوم الطاقة العام. [124]انظر ما رواه أبو هريرة عن رسول الله أنه قال: "إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضُرَاط حتى لا يسمع التأذين..". صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب فصل التأذين، ح ر: 608. وكذلك: في كتاب العمل في الصلاة، باب تفكّر الرجل الشيء في الصلاة، ح ر: 1222. ونحوه في كتاب السهو، باب إذا إذا لم يدرِ كم صلـَّى، ح ر:1231. ونحوه في كتاب صفة إبليس وجنوده، ح ر: 3285. [انظر طبعة دار الفِكر الأولى، مج1، ص154-288-290؛ مج2، ص803] والملفت للانتباه أن من علمائنا القدامى من جوَّز ذلك على الحقيقة وقال: "يمكن حمله على ظاهره لأنه جسم (أي إبليس) متغذ يصح منه خروج الريح". [فتح الباري بشرح صحيح البخاري، الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني، ط: دار الحديث، عن الطبعة التي حقق أصلها عبد العزيز بن عبد الله بن باز، مج3، ص107] وفي صحيح مسلم ـ حديث لرسول الله ص رواية أبي هريرة ـ: "إذا نودي بالأذان أدبر الشيطان وله ضُراط حتى لا يسمع الأذان". [كتاب الصلاة، باب السهو في الصلاة. انظر طبعة دار الفِكر، مج1، ج2، ص83] [125]يقال: سلامُ الله على روح فلان الطاهرة. بمعنى: سلام الله على فلانٍ ذي الإيمان الصادق والعمل الخالص والسيرة الطاهرة.. [126]من القدرة. [127]لقد ورد في القرآن الكريم ذِكـْرُ الكثير مما نعتبره الآن ـ حسب معطياتنا العلمية ـ خوارق غير مألوفة، وجميع ذلك يصب في نفس الاتجاه الذي ذهبنا إليه، وهو الإقرار بقدرة الله على كل شيء، وأن من قدرة الله أن يفعل ما يشاء حسب نواميس وقوانين، ولا داعي للتوهم والتخيل. قال تعالى: "أو كالذي مرَّ على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنَّى يُحيي هذه اللهُ بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثتَ قال لبثتُ يوماً أو بعض يوم قال بل لبثتَ مئة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنَّه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً فلما تبيَّن له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير". [سورة البقرة، 259] وهذه الآية تحكي قصة رجل صالح مرَّ على قرية خالية، كلها خراب، فقال ـ حباً للمشاهدة والتحقق لا متعجباً ولا منكراً ـ: كيف يحيي الله أهل هذه القرية، فأماته الله مئة عام حتى يريه كيف تهلك الكائنات بالسنين والأيام بإذن ربها وبأجل منه، إلا ما شاء بأمر من الله وأجل منه أيضاً.. وأمَرَهُ اللهُ أن ينظر إلى العظام كيف يحييها بالإنشاز وهو رفع العظام بعضها فوق بعض وتركيبها كناية عن الإحياء التدريجي والمرحلي ثم بمرحلة أخرها..، وهو القادر على أن يخلق بالسرعة والطريقة التي يريدها، ولكنه هو الذي وضع القانون الطبيعي، وعليه تسير جميع الموجودات. وقد قيل أن هذا الرجل هو عُزير، الذي ورد اسمه في القرآن الكريم بقوله: "وقالت اليهود عُزير ابن الله". [سورة التوبة، 30] وعُزير الأخير هو عزير بن سوريق بن عديا. [قصص الأنبياء، الإمام ابن كثير، دار الفيحاء، ط1، ص504] واسمه في التوراة هو عَزْرَا بن سَرايا بن عَزَرْيا، وهو كاتب ماهر في شريعة موسى. [سفر عزرا، 7/2-7] كان عَزْرَا كاهناً وكاتباً وقائداً عظيماً، ومعنى اسمه "عون". كتب معظم سفري أخبار الأيام الأول والثاني، وسفري عزرا ونحميا ومزمور119. [التفسير التطبيقي للكتاب المقدس، نسخة إنتاج شركة ماستر ميديا، ص988] كلفه أرتـَحْشَشْـتـَا، ملك الفرس، بمهمة رسمية، فوصل إلى أورشليم وأحزنته رؤية حالة من عدم الأمانة للدين اليهودي، خصوصاً كثرة الزواجات بين اليهود والوثنيين، فأقدم على إصلاح جذري في هذا الموضوع، ولقي دعماً من قِبل الشعب، فطرد الغرباء إلى ما وراء حدود الأرض اليهودية. [الكتاب المقدس ـ مع شرح وتعليق ـ، دار المشرق، ط3، ص831] [128] صحيح البخاري، كتاب الحج، باب فضل مكة وبنيانها، ح ر:1586. [مج1، ص378] مسند الإمام أحمد بن حنبل، حديث السيدة عائشة، ح ر:25498. [طبعة دار إحياء التراث العربي، ط3، مج7، ص341] * * * جميع المواضيع المرسلة من قبل سام محمد الحامد علي محفوظة الحقوق لكاتبها، وهي مسجلة باسمه في الجهات المعنية والمختصة بالحماية الفكرية في سوريا، وتطبع دورياً في سلسلة مقالات تحت إشراف وموافقة وزارة الإعلام السورية، وتودع باسمه في المكتبات السورية المعتمدة تباعاً، كمكتبة الأسد. ثم إن الموقع يحتفظ بأرشيفه الخاص عن المقالات وتاريخ وروودها لحماية كل مَن يكتب فيه. أضف الى المفضلة (11) | أضف الى موقعك | المشاهدة: 180
|
- من فضلك اضف تعليق يتناسب مع الخبر.
- أي اهانات أو شتم سيتم حذفها.
- لا تنس اضافة الكود الأمني الموجود بالأسفل.
|
Powered by AkoComment Tweaked Special Edition v.1.4.6 AkoComment © Copyright 2004 by Arthur Konze - www.mamboportal.com All right reserved |