|
المقدمة فكرتُ طويلاً، وتريَّثتُ كثيراً قبل أن أبدأ بالكتابة عن التقية؛ وكثيراً ما راودني خاطر مفاده أن الكتابة عن هذا الموضوع ستُألِّب عليَّ عدداً هائلاً من المسلمين، وشريحة كبيرة منهم ستكون من الأقارب والأصحاب! ولقد ترددتُ كثيراً بقرار الكتابة، وكذلك بتثبيت نظرتي إلى هذا الأمر، ولكنني ما لبثتُ أن وجدتُ نفسي مضطراً لأن أقول كلمتي وأنْ أفوِّض أمري إلى الله.
وليس رأيي بهذا الموضوع رأياً قاطعاً من حيث الفكرة أو المبدأ، وإنما من حيث الرؤية والفهم والإدراك، فلا أدَّعي العصمة لنفسي، ولا لغيري؛ وقد أكون مخطئاً فيما أراه صحيحاً، ولكن عليَّ إثبات موقفي من هذا الموضوع. ولم يكن هذا القلق والتردد لعلةٍ في نفسي، وإنما لخطورة الموضوع الذي أُريد البحث فيه، وللضبابية والجدال والتعصب الذي يلف به.. مع إقراري بضعف نفسي، وتشكيكي بقدرتي على الكتابة بالمستوى المطلوب، فضلاً عن قلة مواردي العلمية، وكثرة عثراتي.. التقية في اللغة {وقاه اللهُ : صانَهُ وحَفِظَهُ. وتوقَّى واتَّقى بمعنىً، وقد توقَّيتُ واتَّقيتُ الشيءَ وتَقَيْتُهُ وأتَّقيه تُقىً وتقيَّةً وتقاءً : حَذِرْتُهُ، والاسم التقوى، التاء بدل الواو، والواو بدل من الياء. وفي التنزيل العزيز : "وآتاهم تقواهم"؛ أيْ جَزاء تقواهم، وقيل : معناه ألهمهم تقواهم. وقوله تعالى : "يا أيها النبي اتَّقِ اللهَ"؛ معناه اثبتْ على تقوى الله ودُمْ عليه. رجلٌ تقيٌّ، وبجمع أتقياء، معناه أنه مُوقٍّ نفسَهُ من العذاب والمعاصي بالعمل الصالح، وأصله من وَقَيْتُ نفسي أقيها.}(1) التقية في القرآن الكريم قال تعالى: "لا يتخذِ المؤمنون الكافرين أولياءَ من دون المؤمنين ومَن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاةً ويحذركمُ اللهُ نفسَه وإلى الله المصير".(2) وقال: "مَن كَفَرَ بالله من بعد إيمانه إلا مَن أُكره وقلبُه مطمئنٌّ بالإيمان ولكن مَن شَرَحَ بالكُفرِ صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم".(3) وقال: "إن الذين توفَّاهم الملائكةُ ظالمي أنفسهم قالوا فيمَ كنتم قالوا كنا مستَضْعَفين في الأرض قالوا ألم تكن أرضُ اللهِ واسعةً فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً / إلا المُستضعَفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً / فأولئك عسى اللهُ أن يعفوَ عنهم وكان اللهُ عَفوَّاً غفوراً".(4) التقية عند أهل السنة قال البخاري: {عذر اللهُ المستضعَفين الذين لا يمتنعون من ترك ما أمر اللهُ به، والمُكرَه لا يكون إلا مستضعَفاً غير ممتنع من فِعل ما أُمر به. وقال الحسن (البصري): التقية إلى يوم القيامة. وقال النبي ــ ص ــ: "الأعمالُ بالنيةِ".}(5) وروى عوف عن الحسن البصري أنه قال: التقية جائزةٌ للمؤمنين إلى يوم القيامة. قال الإمام الرازي: وهذا القول أولى، لأن دفْع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان.(6) قال الإمام ابن جرير الطبري: {التقية التي ذكرها اللهُ في قوله: "إلا أن تتقوا منهم تقاةً": إنما هي تقية من الكفار، لا من غيرهم. وروى عن ابن عباس أنه قال: التقية باللسان: مَن حمل على أمرٍ يتكلم به وهو معصية لله فيتكلم به مخافة الناس وقلبه مطمئن بالإيمان، فإنَّ ذلك لا يضره، وإنما التقية باللسان.}(7) وقال الإمام الرازي: {ظاهر الآية "إلا أن تتقوا منهم تقاةً" يدل أن التقية إنما تحل مع الكفار الغالبين، إلا أن مذهب الشافعي ــ رضي الله عنه ــ أن الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والمشركين(8) حلَّت التقية محاماة على النفس.}(9) التقية عند الشيعة عن هشام الكندي قال: سمعتُ أبا عبد الله(10) يقول: {"إياكم أن تعملوا عملاً يعيّرونا(11) به، فإنَّ ولدَ السوء يُعيِّر والِدَهُ بعمله؛ كونوا لمَن انقطعتم إليه زيناً، ولا تكونوا عليه شيناً؛ صلُّوا في عشائرهم، وعودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، ولا يسبقونكم إلى شيء من الخير فأنتم أولى به منهم. واللهِ ما عُبد اللهُ بشيء أحبُّ إليه من الخبء". قلتُ: وما الخبءُ؟ قال: "التقية".}(12) وقال الإمام الباقر ـ ع ـ: "التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمَن لا تقية له".(13) التقية في الميزان لا شك أن حياة الإنسان هي أغلى ما في الوجود، وأن الدين جاء لسعادة الإنسان لا لشقائه! ولا شك أيضاً أن لبعض القواعد شذوذاً، فقد تكون حياةُ عظيمٍ ما من الناس رخيصةً في سبيل رسالته. وقد يختلف تقويمُ أمرٍ ما بين إنسان وآخر من نفس الدين والمذهب، فواحدٌ يرى الموتَ في سبيل نصرة الحق باللسان هو الأوجب والأشرف، وآخر يرى الاستمرار بالحياة والجهاد بالسبل الممكنة في طريق نشر الحق هو الأوجب والأشرف. وقد يختلف المرءُ وأخوه في النظر إلى قضية ما أو فهْم حدث ما، ففريقٌ من الناس فضَّل نهجَ الإمامِ الحسن بن علي بن أبي طالب في الصلح وحقن الدماء ولمِّ الشعث، وفريقٌ فضَّل نهجَ الإمامِ الحسين بن علي بن أبي طالب في الثورة على الباطل وبذل المُهَج في سبيل الحق؛ وفريقٌ رأى الحقَّ في السيرتين حسبما تقتضيه الظروف ويفرضه الواقع.. وهكذا يمكننا القول أنه ما من قضية دينية إلا ولها أوجه في فهمها وتحليلها وطريقة التعامل معها، لا سيما القضايا الفكرية والمسلكية. والتقية في ديننا ــ الإسلام ــ لم تكن يوماً إلا رخصةً مشروطةً بشروط متعددة أهمها: أن تكون حياة الشخص أو ضمان أمنه وسلامته مهدد ما لم يعمل بالتقية.. وهذا ما يساعدنا على فهم التقية، فالتقية هي إظهار ما لا تعتقده في حالة الإكراه والاضطرار على أن لا يكون فيما تُظهر إساءة للدين أو أذى لأهله. وقد جازت التقيةُ يوماً ما في فجر الإسلام، وبقيت الرخصةُ موجودةً لحال اضطُرَّ إلى العمل بها، ومن هذا الحيث أقول: ليست التقية بحدِّ ذاتها قضية خلاف، وإنما ما انطوى تحت لوائها من نوايا وأفكار! فإذا تحوَّلت التقية من تقية بين المسلمين والمتربصين من الكفار إلى تقية بين المسلمين أنفسهم فإن مشروعيتها وغايتها ولوازمها لم تتغير أبداً. فالمسلم، أو المؤمن، يجب أن يكون صادقاً ونبيلاً وطاهراً بأيّ حال من الأحوال! وهنا علينا أن نبحث في سبب تحوّل التقية بين مسلمين وكفار إلى بينية بين المسلمين أنفسهم، فلا شك أن الظرف الداعي لاستعمال التقية كان مشابهاً إلى حدٍّ بعيد. فإذا انتُهج منهج تصفية الخصوم، المذهبيين أو السياسيين، وصُودِرَتِ الحريات والآراء، وحُرِّمت التعددية أو المخالفة بالأفكار، كان الحال شبيهاً بين مسلمين وكفار وبين مسلمين متعادين! ولو اعتُمِدَ مبدأ "المجادلة بالتي هي أحسن"، أو: "الكلمة السواء أن لا يُعبد إلا الله"، وغير ذلك فمتروك للجمهور، لبَطُل استعمال التقية بين المسلمين. إن التقية بين المسلمين لم تكن لتظهر لولا وجود أحد العاملين التاليين أو كليهما، وهما: عامل القمع الديني عند الجهة الحاكمة أو المسيطرة، وعامل البعد الكبير عند المخالفين للجمهور وحكَّامه. وإذا حاولنا فهم الطرف الآخر على مبدأ التقرُّب منه فكراً وروحاً، لغاية الإصلاح والوئام، لَفَهِمْنَا أنَّ مَن قال بأن التقية ركن من أركان الدين كان مقتنعاً بأن لا أمل في الحرية المذهبية في المجتمع الذي كان يعيش به؛ ولتخفيف الأمر على أتباعه ومريديه أَشرع التقيةَ على أساس أنها من أركان الدين ليكون استعمالها سلسلاً على كارهي التستُّر. وقد يكون من التعسُّف بمكان أن ندرج مثل هذا الاجتهاد تحت باب البدع نظراً للأصل الديني الصحيح للتقية وجوازيتها. ولكن، هل تصح تقية من إمام في الدين؟! التقية تكون عندما يعتقد المرءُ ضمنياً بما يخالف الآخرين ويتظاهر بخلاف ما يعتقد، بدءاً بالاختلاف في فروع الدين، وانتهاءً باختلاف حقيقي في أركان الدين. وهذه حقيقة وواقع! والحقيقة إن القانون الذي يرتكز عليه المسلم في تفاعله في المجتمع الذي يعيش به هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعدل والإحسان؛ وهذا لا يختلف بين مسلم وآخر، اللهم إذا كان ذلك المسلمُ ملتزماً بدينه. ولقد اهتم سيدنا محمد ــ ص ــ بقضية الأخلاق اهتماماً شديداً، فقال: "إنما بعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق".(14) ومن مكارم الأخلاق الصدق والتوادّ والتراحم.. وهذه الأمور تشكل قيوداً حقيقةً على مستعملي التقية على مرّ الزمان! فعلى المرء أن ينظر أولاً في السبب الجوهري وراء الخلاف بينه وبين إخوانه المسلمين، وعليه أن يسأل نفسه هل يمكن أن يكون هو والقلة التي ينتمي إليها على حق وباقي أمة محمد ــ ص ــ على باطل؟! وهل يمكن أن تجتمع خيرُ أمةٍ على باطل؟ وهل يمكن أن تتحول أمة قال الله فيها: "كنتم خير أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر" إلى شرّ أمة؟ وهل يمكن أن تتحوَّل الغالبية العظمى من الصحابة الذين امتدحهم الله بكتابه من المهاجرين والأنصار إلى منافقين ومرتدين ومخالفين..؟! ألم يكن الله يعلم بما سيؤلون إليه؟ وأسئلة غير ذلك كثيرة.. وعلى المسلم أن ينظر إلى أصول دينه والأركان التي بُني عليه مذهبه هل كانت موجودة في عصر الدعوة، وهل من نص قرآني صريح ومباشر لِما يعتمد؟ ثم عليه أن يُحافظ على خصاله الإسلامية وإنْ بقي على خلافه مع إخوانه من المذهب الآخر، فيجب عليه ألا يصلي معهم ويضمر لهم الكره ويعتقد ببطلان صلاتهم ويسمي ذلك تقيةً، بل يصلي معهم بنيَّةٍ صادقة خالصة لوجه الله تعالى ويبتعد عن الخلافات الثانوية الشكلية بينه وبين إخوانه، وعليه أن يرد الإساءة بالإحسان والكره بالمحبة. قال الإمام علي بن أبي طالب ــ كرَّم اللهُ وجهه ــ: "عاتب أخاك بالإحسان إليه، وارددْ شره بالإنعام عليه".(15) وبهذا أنهي هذا البحث المتواضع، وأعترف بعجزي وتقصيري. كتبه الفقير لله تعالى سام محمد الحامد علي يوم الجمعة الواقع في 2/شعبان/1425 الموافق لــ:17/أيلول/2004 الحواشي: (1) لسان العرب. (2) سورة آل عمران، 28. (3) سورة النحل، 106. (4) سورة النساء، 97-99. (5) صحيح بخاري، كتاب الإكراه. [طبعة دار الفكر، ط1، مج4، ص302] انظر: تفسير ابن كثير، شرح الآية /28/ من سورة آل عمران. [تفسير القرآن العظيم، الإمام ابن كثير، دار التراث العربي، مج1، ص357] (6) تفسير الفخر الرازي، الإمام الرازي، ط: دار الفكر، قدم له الشيخ خليل محي الدين الميس ـ مدير أزهر لبنان ومفتي البقاع، مج4، ج8، ص15. (7) تفسير الطبري، الإمام ابن جرير الطبري، دار إحياء التراث العربي، ضبط وتعليق محمود شاكر، مج2، ج3، ص268-269. (8) لعل المقصود هنا: الخشية على النفس والمال.. والله أعلم. (9) تفسير الرازي، مج4، ج8، ص15. (10) هو الإمام جعفر الصادق ابن الإمام محمد الباقر. (11) عنى: المخالفين. (أهل السنة والجماعة) قال محمد جعفر شمس الدين: الحديث صحيح. (12) أصول الكافي، ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني، باب97، حديث11. [موسوعة الكتب الأربعة في أحاديث النبي والعترة، طبعة دار التعارف، ضبط وتصحيح وتعليق محمد جعفر شمس الدين، مج2، ص222] (13) أصول الكافي، الكليني، ب97، ح12. (14) تحفة الأحوذي، كتاب الأطعمة، باب الوضوء قبل الطعام وبعده. [انظر لسان العرب لابن منظور، مادة خلف] وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل: قال رسول الله: "إنما بُعثتُ لأتمم صالح الأخلاق". [مسند ابن حنبل، مسند أبي هريرة] وفي موطأ مالك: قال رسول الله: "بُعثتُ لأتمم حُسْنَ الأخلاق". [الموطأ، الإمام مالك، كتاب حسن الخلق] (15) نهج البلاغة، قصار الحكم (158). أضف الى المفضلة (18) | أضف الى موقعك | المشاهدة: 318
1. Damascus أضيف بواسطة
هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته
, في 27-04-2008 20:42 سيدي الكريم شكرا لك لما تقدمت من بحث قيم ولكنني يا سيدي أود أن أخالفك الرأي في أمر واحد وهو النظر في الخلاف الجوهري بيني وبين اخواني السلمين وانت تعلم يا سيدي أن معظم المسلمين هم من الطائفة السنية الكريمة ولكن هل هذا يعني أنهم على حق وأننا الشيعة والعلويون على غير ذلك فلماذا يجب علي أنا إعادة النظر في معتقدي؟ وتصعب الحالة أكثر عندما يكون الشخص مخالفا لأهله أنفسهم وهذا يعني ألا سبيل له إلا التقية وأشكرك كثيرا سيدي الكريم على ما تقدمت به وأغنيت
|
|
- من فضلك اضف تعليق يتناسب مع الخبر.
- أي اهانات أو شتم سيتم حذفها.
- لا تنس اضافة الكود الأمني الموجود بالأسفل.
|
Powered by AkoComment Tweaked Special Edition v.1.4.6 AkoComment © Copyright 2004 by Arthur Konze - www.mamboportal.com All right reserved |