|
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء وخاتم المرسلين، وعلى آله وصحبه ومَن والاهم بإحسان إلى يوم الدين؛ وبعد! لمَّا رأيتُ كثيراً من شبابنا وشاباتنا، بل وكثيراً من باحثينا، يستعملون بعض الكلمات التي تُعد غريبة عن أصولنا الإسلامية الأساسية، إنْ لم نقل الدخيلة على العلوم الإسلامية! ورأيتُ كلماتنا "الإسلامية: القرآنية ــ النبوية" الأصيلة تُهجر ويُستعاض عنها بما لا يؤدي الغرض(1).. قررتُ أن أكتب بحثاً مختصراً حول "سُبل المعرفة" كما يبيّنها الشرع ويثبتها العِلم، متسلِّحاً بكتاب الله وسنة نبيه ــ ص ــ وبلغتنا العربية "الأعجوبة" البديعة(2)..
وقبل أن أبدأ بحثي المتواضع أود الإشارة إلى أنني أحترم العلوم الإنسانية الحديثة كل الاحترام، وأُقدِّر دورها في خدمة الإنسان، فديني "الإسلام" قد علَّمني كيف أحترم العِلم وأستفيد منه.. وأخص في إشارتي هذه "عِلمَ اللسان"(3) الذي قد يُظن من خلال مقدمتي السابقة بأنني أبخسه حقه، أو أتجاهل فوائده. والحقيقة هي عكس ذلك تماماً! فعِلمُ اللسان هو عِلم حديث من خلال بروزه على الساحة الفكرية بهذه الصورة لكنه قديم "المعنى" والوجود في الفكر الإنساني، ويكفينا أن ننظر في أمْر الله لنا بتدبّر القرآن، وما التدبُّر في معناه اللغوي إلا النظر في التركيبة اللغوية للنص لاستخراج المعاني واستلهامها... (سنبحث في كلمة "التدبُّر" بمكان آخر من هذا البحث) وأرجو من أصحاب الأفكار المنمطة(4) تركي وبحثي وشأننا، أو المحاولة الجادة في فهم وجهة النظر التي انطلقتُ منها(5)، وهي: إذا كان الله هو موجِد الأشياء فإنه أخبر الأشياء بها، وإذا كان اللهُ أخبر الأشياء بالأشياء ذاتها فهو الأعلم بالأنفع لها والأضر.. ولهذا كله انطلقتُ منه وإليه(6)؛ وهو من وراء القصد! نقطة
سمعنا كثيراً عن فنون "التأمُّل" الوافدة إلينا من خارج بلادنا العربية والإسلامية، والحالَّةِ ضيفةً غريبة مريبة على مجتمعنا؛ وتجاوزنا كثيراً عن افتراءات المروِّجين لتلك الفنون وادعاءاتهم، ولم نكن لنأبه بشيء من ذلك لولا أن لاقتْ تلك البدع "الشاذة" رواجاً اعتباطياً مرضياً في مجتمعنا "الهش الفقير"(7)! نعم، لم يفتتن بتلك الادعاءات سوى ذوو الحاجات النفسية، الذين لم يجدوا ضالتهم بالصورة التي يريدونها في علوم بلادهم وفنونها، فغرَّهم زخرفُ القولِ الوافد وزيَّنتْ لهم أنفسُهم الضعيفةُ باطلَ ما وجدوا، فافتُتنوا وافتَتنوا.. وأخطر ما في تلك الادعاءات الوافدة أمران، هما: • خلط الأمور العلمية بادعاءاتهم غير العلمية، ومزج المنطقي بغير المنطقي والحقيقي الواقعي بالوهمي التخيُّلي.. • التستُّر بالشعارات البراقة، والاختفاء خلف عباءة القيم الدينية والإنسانية. (وربما تجاوز الأمر في بعض الأحيان حتى بلغ من الصفاقة والوقاحة درجةَ الافتراءِ على الله ورسوله بإلباس دين الله رداء وضعي<8> وضيع..) والحقيقة أن كلمة "التأمل" كلمة عربية بامتياز، وهي من الكلمات القديمة(9)، لكنها بمعناها المصطلح عليه في العلوم الإنسانية(10) غريبة كل الغرابة عن معناها الأصيل في لغتها الأم! فالتأمُّل في اللغة العربية: النظرُ مَليَّاً في أمرٍ ما أو شيء ما(11). وهو معنى منطقي جميل، واضح وجلي! أما التأمُّل الحادث في بلادنا فهو تأمُّلان! تأمُّل عِلمي يقع عليه اشكال بسيط، أو اعتراض صغير، استعمله مترجمو عِلم النفس الحديث. فعِلم النفس الحديث يقول: "إن التأمل هو الدرجة العليا من درجات الفِكر الإنساني".(12) وآليته تكون حسب الوصف التالي: {لا يقوم التأمُّل على التفكير في شيء محدد. بل، على العكس، إن الإنسان يرخي "العنان" للدماغ في موضوع عام. فالإنسان المتأمِّل منفعل، ودماغه يتلقَّى الحدّ الأقصى من الإحساسات. وينطوي الفِكر على ذاته في ضرب من "التخمّر" المعمم ودون أدنى جهد، ويشمل سائر الأمور بيسر. فقابلية الاستقبال والوضوح رائعان جداً.}(13) إن هذا الكلام جميل إذا كان سوياً(14)، ولكنه لا يعني بالضرورة أنه التعبير الأدق للحالة الموصوفة! فلو راجعنا النصَّ الأول لَوجدنا أنه جرى تقزيمٌ للفِكر الإنساني إذ جُعلت أقصى درجاته هي الحالة الطبيعية الأولى لبداية نشاطه الإبداعي! فالإنسان الذي يسترخي بجسدٍ هادئ أو شبه خامل، وبذهن متَّقد منفتح وذاكرة صافية حاضرة، بشفافية ورواق.. يمكنه أن يبدأ النظر في أُولى الأمور التي تمر على ساحة شعوره، مما يشغله أو يهتم لأمره، فتنتج التصوراتُ وتتجلَّى الأبعادُ وتتداعى الاحتمالاتُ والفرضياتُ.. فتتولَّد الأفكار مصوَّرة وغير مصوَّرة؛ وعندها يبدأ العمل الإبداعي الأرقى بفرز تلك المحصَّلات وترتيبها.. بمعالجة تناغمية رائعة يَنتج عنها ولادة لمادة فكرية تأخذ طابع شبه نهائي في تلك اللحظة!(15) إذن، مرحلة التأمل هي مرحلة متقدِّمة من مراحل النظر عند الإنسان، إلا أنها ليست بذاك البُعد الفِكري المصوَّر لها، وما الحالات الإبداعية الخلاقة لسائر المبدعين والمخترعين إلا لحظات ولادة أفكار جديدة التي هي نتاج لتخمُّر مادتهم الفكرية (من معلومات وتجارب)، وما تطوير تلك الأفكار الخلاقة إلا جهد فكري حثيث يقوم على التركيز في الناحية المراد العمل على تطويرها! وما على هذا الكلام من اعتراض جوهري! إذن، ليست المشكلة الحقيقية في الطرح العلمي، أو النفسي، لحالة التأمُّل، ولا في تلك الإشكالية اللغوية البسيطة، وإنما في الاستعمال غير الصحيح لكلمة التأمل من قِبل المضلِّلين أو المضلَّلين. فعِلم النفس لا يستعمل كلمة التأمُّل إلا للتعبير عما يدور في "دماغ الإنسان" من حالات فكرية خلاقة، مرتبطة كل الارتباط بالتراكم العلمي والمعرفي له وبشعوره ولاشعوره الشخصيين.. ولا علاقة لعِلم النفس من قريب أو بعيد بمسألة التأمُّل الخاصة بالاتصال الروحي مع عالم آخر أو عوالم أخرى..!! وهنا نرى الخلط بين الفلسفة الماورائية الوضعية وبين الأمور العلمية شبه الثابتة، فنرى ونسمع طروحات قديمة مولّدة ولادةً جديدة كما في التأمُّل الارتقائي، ويطالعنا بعض المستخفِّين بعقولنا من أبناء جلدتنا بفنون "التأمُّل التجاوزي".. وهكذا نرى أيَّة ألعوبة أصبحتْ رغبة الإنسان في تحصيل المعرفة وتطوير الذات عند أولئك المدَّعين المنتفعين! إن التأمُّل الارتقائي والتأمُّل التجاوزي، وكل ما شاكل ذلك في شكله وجانسه في جوهره، ما هو إلا تخيّلات وتصورات لا حقيقة لها ولا أصل، وإن الشيءَ الوحيد الذي يساعد أولئك المضلِّلين على ترويج بضاعتهم الفاسدة هو ضعف الناس في الأمور الروحانية (الدينية) وفي العلوم الطبيعية الحقة (الدنيوية).(16) إن خيرَ فيصلٍ للصالح من علوم "التأمَّل" أو فنونه هو الوقوف على الأساس الصحيح لتلك العملية، عملية التأمُّل(17)، ولتلك الرياضة، ولذاك المستوى من التفكير.. إنه التأمُّل الباطني(18)! فالتأمُّل الباطني هو: إمعان النظر في حوادث الشعور وضبط صفاتها مع تقريب بعضها من بعض للكشف عن قوانينها.(19) ولعمري أيكون إمعانٌ وضبط وقوانين لمتخيَّلات ومتصوَّرات لا أساس لها علمياً (منطقياً، رياضياً أو فيزيائياً..)؟! وخير ما تُختم به هذه النقطة أن يُشار إلى أن عملية "التأمُّل" الروحية (اللادماغية) الصرفة ــ وإنْ كانت أحد أهم الأدوات المستعملة لترويج الأفكار والمعتقدات غير العلمية وغير السماوية ــ ليست الوحيدة في عالم الغش والخداع! فعلى نفس آلية الخلط بين العلمي وغير العلمي، والثابت الحقيقي وغير الثابت الوهمي، نرى الكثير من البدع والانحرافات كالخلط غير البريء بين الاستعمال العارض لعلماء النفس لكلمتي اللاوعي والوعي بديلاً عن الكلمتين الأصل في ذاك المضمار: اللاشعو والشعور وبين اللاوعي كـ: "عقل كوني" والوعي!(20) فالتحليل النفسي يعتبر أن النفس الإنسانية تقسم إلى قسمين أساسيين: النفس الواعية وتسمى الوعي أو الشعور، وهي مركز العمليات الذهنية العادية من تفكير وإدراك وإحساس وإرادة وتخطيط وتفاعل مع العالم. والنفس اللاواعية وهي التي تضم كل القوى النزوية وكل الميول الطفلية والبدائية ذات الطابع الحيواني التي لا تعرف المنطق ولا تراعي الزمان ولا المكان. هذه القوى تظل بعيدة عن إدراكنا ولكنها تؤثر فينا، توجِّه سلوكنا وعلاقاتنا واختياراتنا بدون أن ندري حتى أنها قد تتقنَّع باعتبارات عقلانية منطقية. واللاواعي في رأي التحليل النفسي يشكل الجانب الأكبر من الحياة النفسية، وتأثيره حاسم في بنية الشخصية وتوجهاتها الأساسية. تظهر محتويات اللاوعي المكبوتة عادة بشكل مقنَّع في الأحلام والأعراض المرضية والهفوات وفلتان اللسان، وهي إجمالاً من النوع غير المقبول خلقياً واجتماعياً ولذلك فإن صاحبها يتنكَّر لها أشد التنكُّر، ويقاوم الوعي لها بشدة. الوعي بها يثير قلقاً شديداً يصعب على الشخص احتماله. اللاوعي يتبع مبدأ اللذة ويهدف إلى إشباع النزوات المكبوته فيه، ولكن هذا الإشباع لا يتم بشكل خام بل يتخذ أشكالاً رمزية ومقنَّعة، وينبثّ في كل تصرفاتنا اليومية.(21) أخيراً: من أعظم أعمال علم النفس مساعدة الإنسان على إيجاد لاشعوره، والتوفيق بينه وبين الراقات(22) الشعورية للحياة اليومية.(23) البناء الافتراضي للمعرفة (سُبل المعرفة)
سنتناول السُّبل الأصيلة الثابتة للمعرفة، والتي عليها يرتكز العقل الإنساني(24): النظر، التفكُّر، التدبُّر. بمعنى، التعقُّل هو: نظرٌ فتفكُّرٌ فتدبُّر. قال تعالى في النظر: "فلينظر الإنسانُ مما خُلق".(25) وقال: "قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلقَ ثم اللهُ يُنشئ النشأة الأخرة".(26) أما في التفكُّر فقال: "الذين يذكرون اللهَ قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكَّرون في خلْق السماوات والأرض ربنا ما خلقتَ هذا باطلاً سبحانكَ".(27) وفي التدبُّر قال: "أفلا يتدبَّرون القرآنَ أم على قلوبٍ أقفالها"(28).(29) أما في التعقُّل، وهو الحقيقة الكونية الواحدة الكبرى، فقال: "ولئن سألتهم مَن نزَّل من السماء ماء فأحيا به الأرضَ من بعد موتها ليقولنَّ اللهُ قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون".(30) ورديفه قوله: "ولئن سألتهم مَن خلق السماوات والأرض ليقولنَّ اللهُ قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون".(31) وهنا تتجلى غاية العِلم ومنتهاه: معرفة الله ــ سبحانه وتعالى ــ، وهي التعقُّل في حقيقته الكبرى!(32) قال تعالى: "وتلك الأمثالُ نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون".(33)
وقفات
* مع "النظر": قال ابن فارس(34): {"نظر": النون والظاء والراء أصلٌ صحيح يرجع فروعه إلى معنى واحد وهو تأمُّل الشيءِ ومعاينته، ثم يُستعار ويتَّسع فيه.}(35) قال ابن خلدون(36) في مقدمته: النظر العقلي: مَلَكةُ الانتقالِ من الأدلة إلى المدلولات، وهو معنى النظر العقلي الذي يُكسب العلوم المجهولة فيُكسب بذلك مَلَكةً من التعقُّل تكون زيادةَ عقلٍ، ويحصل به قوة فطنةٍ وكَيس في الأمور. وقال ابن رشد(37) في فصل المقال: لا يؤدي النظر البرهاني إلى مخالفة ما ورد به الشرع. وإنْ أدى النظر البرهاني إلى نحوٍ ما من المعرفة بموجود ما، فلا يخلو ذلك الموجود أن يكون قد سُكت عنه في الشرع أو عرَّف به. فإنْ كان مما قد سُكت عنه فلا تعارض هنالك، وهو بمنزلة ما سُكت عنه من الأحكام فاستنبطها الفقيه بالقياس الشرعي، وإنْ كانت الشريعة نطقتْ به فلا يخلو ظاهر النطق أن يكون موافقاً لما أدَّى إليه البرهان فيه أو مخالفاً. فإن كان موافقاً فلا قول هنالك، وإنْ كان مخالفاً طُلب هنالك تأويله.(38) وقال إمام الحرمين الجويني(39) في الإرشاد: النظر في اصطلاح الموحِّدين هو الفكر الذي يطلب به مَن قام به عِلماً أو غلبةَ ظنٍّ. ثم ينقسم النظر قسمين: إلى الصحيح، وإلى الفاسد؛ والصحيح منه كلُّ ما يؤدي إلى العثور على الوجه الذي منه يدلّ الدليل؛ والفاسد ما عداه. ثم قد يفسد النظر بحيده عن سنن الدليل أصلاً، وقد يفسد مع استناده للسداد أو لا لطروء قاطعٍ. وقال الإمام فخر الدين الرازي(40) في معالم أصول الدين: النظر والفكر عبارة عن ترتيب مقدّمات علمية أو ظنية ليتوصل بها إلى تحصيل عِلم أو ظن.(41) * مع "التفكُّر": قال ابن منظور(42): "الفِكر: إعمال الخاطر في الشيء".(43) وقال الجوهري(44): "التفكُّر: التأمُّل".(45) {"فكر": الفاء والكاف والراء: تردد القلبُ في الشيء. يقال "تفكَّر" إذا ردَّد قلبه معتبراً.}(46)
* مع "التدبُّر": التدبير في الأمر: أن ننظر إلى ما تؤول إليه عاقبته. والتدبُّر: التفكُّر فيه!(47) قال القاضي عبد الجبار في متشابه القرآن: "إن التدبُّر في الحقيقة هو الفكر إذا لم يُرَد به التأمُّل الذي يرجع إلى النظر والروية، وقد عُلم أنه لم يأمر بتدبُّر القرآن على طريقة الإدراك لغوامضه فليس إلا ما ذكرناه من الفكر والنظر فيه لكي تعلم أحواله".(48) وقال العلامة الجرجاني(49): "التدبُّر عبارة عن النظر في عواقب الأمور، وهو قريب من التفكُّر إلا أن التفكُّر تصرّف القلب بالنظر في الدليل والتدبُّر ما تصرّفه بالنظر في العواقب".(50) * مع "التعقل"(51): التعقُّل: هو إدراك الشيء مجرَّداً عن العوارض الغريبة واللواحق المادية.(52) قال علي بن أبي طالب: سمعتُ رسول الله ــ ص ــ يقول: "لا عقل كالتدبير(53).. ولا عبادة كالتفكُّر".(54) وقال الإمام علي بن أبي طالب ــ كرَّم اللهُ وجهَهُ ــ: لا عِلم كالتفكُّر، ولا شرف كالعلم.(55) خاتمة
مع قناعتي بأنني مررتُ بشكلٍ كافٍ ووافٍ(56) على أهم مفاصل أو محاور تحصيل المعرفة واكتسابها.. أعتقد جازماً متيقن بأن هناك زيادة لكل مَن طلب الاستزادة، فقد قال تعالى: "نرفعُ درجاتٍ مَن نشاءُ وفوقَ كلِّ ذي عِلمٍ عليمٌ".(57) واللهُ أعلمُ حيث يضع عِلمه.. ومع هذه القناعة وهذا اليقين أرى أنه من الضروري الإشارة إلى أن الاستزادة لا تكون بالنقيض وإنما بطلب المزيد من ذات الشيء والتزوّد ــ المعنوي والمادي ــ بما يساعد على إتمام تلك العلمية بأفضل صورة! بمعنى: لنثق بقرآننا ولغتنا، بعلومنا وعلمائنا، ولنطلب العِلم والمعرفة بجدّ وإخلاص وعلى الله بلوغ النجاح. وما أُبرئ نفسي من الخطأ أو الزلل.. لكنني بدون أدنى شك قد أصبتُ كبد الحقيقة في الفقرات القرآنية والنبوية، وفيها الكفاية! قال تعالى: "وتوكَّل على اللهِ وكفى بالله وكيلاً".(58) وقال: "ومَن يتوكَّل على الله فهو حسبُهُ إن اللهَ بالغُ أمرِهِ قد جعل لكلِّ شيء قدراً".(59) وقال: "الذين يبلِّغون رسالاتِ اللهِ ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيباً".(60) أخيراً أُحيي كل الصادقين والمخلصين؛ والسلام. الفقير لله تعالى سام محمد الحامد علي www.safwaweb.com www.alaweenonline.com الحواشي والمراجع: (1) يا ليتَ المبهورين بفنون الشرق والغرب وعلومهما قد نظروا فيما أخذوا وتحققوا علامَ اعتمدوا! قال تعالى: "أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير"؟! [سورة البقرة، 61] (2) مع الإشارة إلى أنني لستُ لغوياً أو متخصصاً بمجال اللسانيات.. وإنما طالب علم عام أهتم بالعلوم الدينية وما يتبعها! (3) علم اللسان Linguistique: أحد فروع العلوم الإنسانية الحديثة. موضوعه دراسة اللغة ليس كمجموعة كلمات، بل كبنية أو انبناء لغوي. ينطلق من مهمة أساسية هي أن الكلمة لا تجد معناها في ذاتها، بل من خلال موقعها في سياق الخطاب. وهي على صلة بذلك الخطاب على مستويين، مستوى تاريخي انسيابي (Diachronie) حيث يتحدد معنى الكلمة انطلاقاً مما سبقها وما يليها، ومستوى تزامني عمقي (Synchronie) حيث ترجعنا الكلمة من معناها إلى معنى آخر. وهذا معنى ثالث. وهكذا فالكلمة يتحدد معناها من خلال موقعها في سلسلتين جدليتين تتكون منهما اللغة: سلسلة تراتب المعاني وسلسلة تتابع الكلمات. علم اللسان غني جداً بمعطياته، منه انطلق تطبيق النظرية الانبنائية كمنهج بحث في العلوم الإنسانية. ولقد ساهم هذا العلم الناشئ في إلقاء أضواء قيمة على مشكلات هامة في العلوم الإنسانية وفهم الإنسان معبراً عنه من خلال اللغة. وعلم اللسان هو أخيراً أكثر العلوم الإنسانية دقة واقتراباً من العلوم المضبوطة، لأنه قابل أكثر من غيره لتكميم مواده. (الانبناء مصطلح ينطلق من مدرسة منهجية في بحث الظواهر الإنسانية، يُطلق عليه اسم: الانبنائية أو البنيائية أو الهيكلية، على عكس المدرسة الوظيفية والمدرسة التطورية) [معجم المصطلحات النفسية] (4) الأفكار المنمطة Les stereotypes: مجموعة أفكار، تأخذ شكل الأحكام المسبقة الجامدة والقطعية ذات الطابع الإداني أو التحقيري التي تُلصَق (غالباً) بمجموعة سكانية انطلاقاً من فروق عرقية أو دينية أو قومية أو سياسية. يعمم الحكم الإداني على جميع أفراد هذه الفئة دون استثناء. [معجم المصطلحات النفسية] (5) قال عالم النفس المتميز "بييرداكو": يتطلب دورنا الإنساني أن نطرح أسئلة على أنفسنا باستمرار، لنكن إذن على حذر من موضوع ضروب عنادنا الممكنة. ولنتساءل: هل أنا في حالة عناد في هذه البرهة حتى ولو لم أرها بصورة مباشرة؟ ألستُ عنيداً لأنني متعب، الأمر الذي يقلل من اتساع ساحة شعوري؟ أو لأنني متشنج؟ ألستُ عنيداً لأن هذا المشكل يخيفني؟ أو لأن هذا المشكل يناظر أمراً كبتّه دائماً؟ ألستُ عنيداً لأنني أتوتر من الخجل؟ أو لأنني عدواني؟ أو لأنني أشعر بالدونية وأنني أرغب في أن أفرض نفسي؟ ألستُ عنيداً لأن فكرتي تمثل أمناً بالنسبة إلي؟ هل تمت رؤية المشكل برمته؟ هل أنا واثق من أنني لم أفحصه من خلال الجزء المزيّف من "أنا"ي؟ ذلك أن العناد يحتمل منذ أن تنقص مساحة الوضوح. وهكذا نرى كم هو هام أن يتخلص الإنسان من سائر التشنجات العقلية ومن جميع السلوكات التي توجهها انفعالية مزيفة أو متحجرة، وكم هو هام أن يكون الإنسان في حالة من اليقظة المستمرة، يقظة عريضة، هادئة، ذات اتساع شبيه باتساع الرادار الذي ينقب الآفاق، وكم هو هام أن يكون الإنسان في يسر، يسر من الناحية الجسمية ويسر من الناحية النفسية، وأن يوسّع ساحة رؤيته ويستأصل من نفسه كل ما يجعل ساحة الشعور ضيقة وما يوصد على الدماغ باباً يعزله بذلك عن إمكاناته الإنسانية. [الانتصارات المذهلة لعلم النفس الحديث] (6) من أصول دينه وفي سبيل مرضاته.. (7) بمعنى: لم تلق اهتماماً إلى من ذاك المستوى من المجتمع! (8) تقسم الأديان إلى قسمين: قسم يُسمى: "الأديان السماوية"، وهي التي يقول أنبياؤها بأنهم رسل من السماء.. وقسم: "الأديان الوضعية"، وهي التي يصرِّح مروِّجوها بأنه مجرّد مصلحين وعارفين..! (9) قال زهير بن أبي سلمى في معلقته: تأمَّلْ خليلي هل ترى من ظعائنٍ * * * * * تحمَّلنَ بالعلياءِ من فوق جُرْثمِ قال الخليل: التأمُّل التثبتُ في النظر. [مقاييس اللغة، ابن فارس، مادة أمل. انظر: طبعة مكتبة مصطفى البابي الحلبي ــ مصر، ط2، مج1، ص140] (10) مع التحفظ على هذه التسمية، إذ الأمور بخواتمها! (11) تأمَّل الأمرَ وتأمَّل فيه: نظر فيه ملياً. [المنجد في اللغة] (12) انظر: الانتصارات المذهلة لعلم النفس الحديث، بييرداكو.. (13) المرجع السابق. (14) ليست كل حالات الاسترخاء تلك حالات انتاج فكري أو إبداع، فهناك حالة: "أحلام اليقظة" الشائعة جداً، وفيها يكون المرء سارحاً في تأمله بالوهم أو بما لا ينفع.. (غالباً ما تكون تلك الحالات ملجأ الضعفاء.. انظر المرجع السابق) (15) هذه العصارة أو الخلاصة، وما تلاها، من نتاج تجارب ودراسات المؤلف شخصياً. (انظر الموقع الشخصي لـ: سام محمد الحامد علي : www.safwaweb.com ) (16) انظر إلى قوله تعالى: "فذرني ومَن يكذِّب بهذا الحديثِ سنستدرجهم من حيثُ لا يعلمون". [سورة القلم، 44] (17) التأمُّل: التثبُّت. وتأمَّلتُ الشيءَ أي نظرتُ إليه مستثبتاً له. وتأمَّل الرجلُ: تثبَّتَ في الأمر والنظر. [لسان العرب، ابن منظور، مادة: أمل. انظر طبعة دار المعارف، مج1، ج1، ص132] (18) يُقصد بالباطني: الداخلي الذاتي، لا الباطني الخفي! (19) المنجد في اللغة. (انظر الحاشية الخاصة بمعنى التأمل اللغوي) (20) يقول عالم النفس المتألِّق "بييرداكو": لقد اختفى الفرد الواعي؛ إن إنسان العصر الحديث لا يحرضه عقله ولا فكرته الواعية، بل انفعاليته المرضية. لقد بلغت الوسائل المستعملة حدَّاً فريداً من الصفاقة؛ وحسب المرء أن يرى بعض شارات الإعلان وبعض الصحف، وأن يصغي إلى بعض محطات الإذاعة، وأن يلقي نظرة على أكداس الصحف المصورة التي تمنع كل قراءة واعية. ولنُشِرْ جيداً إلى أن كل هذه الانتهاكات انفعالية، لاشعورية في أغلب الأوقات. ثمة إذن ما يستوجب الرعب، فحشو الدماغ سائد على حالة وبائية؛ ويعلم الذين "يمسكون بخيوط اللعبة" قوة الانفعالية تمام العلم. [الانتصارات المذهلة لعلم النفس الحديث] (21) معجم المصطلحات النفسية. (22) الراق طبقة غير سميكة من المعدن أو الحجر أو الرمل.. ويُستخدم الراق في علم الاجتماع للدلالة على المسافات في التراتب الاجتماعي. (23) الانتصارات المذهلة لعلم النفس الحديث، بييرداكو. (24) العقل: هو بناء مجازي metaphoric، يحمل معانٍ تنتجها الذات التي تقوم بالتعبير عنها، وتكون مستقلة إلى حدٍّ كبير عن الأدوات الجسدية المستخدمة لنقلها. [لغز العقل: مشكلة العقل ــ الجسد في الفكر المعاصر، سرجيو مورافيا، منشورات وزارة الثقافة السورية2002، مقدمة الطبعة الإنكليزية، ص6] [راجع: العقل بين الصورة والحقيقة، سلسلة دراسات الصفوة1، سام محمد الحامد علي] (25) سورة الطارق، 5. (26) سورة العنكبوت، 20. (27) سورة آل عمران، 191. (28) سورة محمد، 24. (29) الآية التالية من السياق الشريف: "إن الذين ارتدُّوا على أدبارهم من بعد ما تبيَّن لهم الهدى الشيطانُ سوَّل لهم وأملى لهم". [سورة محمد، 25] (30) سورة العنكبوت، 63. (31) سورة لقمان، 25. (32) أي وضع الأمور مواضعها بعد معرفتها..! (33) سورة العنكبوت، 43. (34) هو الإمام العلامة، اللغوي المحدِّث، أبو الحسين، أحمد بن فارس بن زكريا القزويني، المعروف بالرازي، المالكي؛ نزيل همذان. كان رأساً في الأدب، بصيراً بفقه مالك، مناظراً متكلِّماً على طريقة أهل الحق، ومذهبه في النحو على طريقة الكوفيين. جمع إتقان العلم إلى ظرف أهل الكتابة والشعر. له مصنفات ورسائل، وتخرَّج به أئمة. مات بالرّي في صفر سنة خمس وتسعين وثلاث مئة. [سير أعلام النبلاء، الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، مؤسسة الرسالة، ط11، مج17، ص103] (35) مقاييس اللغة، ابن فارس، مادة: نظر. مج5، ص444. (36) عبد الرحمن بن خلدون (1332-1402)م: ولد في تونس. مؤرخ وفيلسوف ورجل سياسي. رحل إلى مصر ودرس في الأزهر وتولى قضاء المالكية حتى وفاته. [المنجد في الأعلام] (37) أبو الوليد محمد بن أحمد (1126-1198)م: فيلسوف عربي ولد في قرطبة وتوفي في مراكش. سماه الغرب "الشارح" نظراً إلى شروحه الكثيرة والممتازة لأرسطو. حاول التوفيق بين الشريعة والفلسفة في "فصل المقال فيما بين الحكمة والاتصال"، كما دافع عن الفلسفة ضد الغزالي في كتاب "تهافت التهافت". [المنجد في الأعلام] (38) موسوعة مصطلحات الفلسفة عند العرب، د. جيرار جهامي، ص904. (39) عبد الملك بن عبد الله، أبو المعالي المتوفى: (478هـ/ 1085م) فقيه شافعي نشأ في نيسابور. وقف حياته للتعليم. اتبع مذهب الأشعري. هاجر إلى الحجاز فعلَّم وأفتى في مكة والمدينة حيث دُعي إمام الحرمين. [المنجد في الأعلام] (40) فخر الدين محمد بن عمر التيمي البكري المتوفى: (606هـ/ 1210م) إمامٌ مفسِّر. ولد بالري وتوفي بهراة. عرف بزمانه بشيخ الإسلام، واسع المعرفة بعلوم المعقول والمنقول.له عشرات المؤلفات في العربية والفارسية وله بهما شعر بديع. [المنجد في الأعلام] (41) موسوعة مصطلحات عِلم الكلام الإسلامي، د. سميح دُغيم، مكتبة لبنان ناشرون، مج2، ص1383-1384. (42) هو الإمام اللغوي الحجة أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم من نسل رويفع بن ثابت الأنصاري. (630-711)هـ، (1232-1311)م. ولد بمصر، وفيها توفي.وُلي القضاء في طرابلس. ترك بخطه نحو خمسمائة مجلد؛ وله شعر رقيق. [الأعلام، الزركلي، مج7، ص108] (43) لسان العرب، ابن منظور، مج5، ج38، ص3451. [ونحوه قول القاسم بن محمد بن علي في "الأساس في عقائد الأكياس". انظر موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي، مج1، ص342] (44) أبو النصر إسماعيل المتوفى عام (1005)م. ولد في فاراب (تركيا) وتوفي نيسابور، من مشاهير أصحاب المعاجم. له: تاج اللغة وصحاح العربية، المعروف بـ: "الصحاح". [المنجد في الأعلام] (45) لسان العرب، ابن منظور، مج5، ج38، ص3451. (46) مقاييس اللغة، ابن فارس، مادة: فكر، مج4، ص446. (47) لسان العرب، ابن منظور، مادة: دبر؛ مج2، ج15، ص1321. (48) موسوعة مصطلحات عِلم الكلام الإسلامي، د. سميح دُغيم، مج1، ص304. (49) السيد الشريف: علي بن محمد الحسني (1339-1413)م: ولد في تاجو قرب استرباذ. متكلِّم أشعري وفيلسوف. كتب عدة رسائل في الفلسفة بعضها بالعربية وبعضها بالفارسية، وشروحاً على أهم الكتب في أصول الفقه والفلسفة وعلم الهيئة؛ منها: كتاب التعريفات، وشرح المواقف. [المنجد في الأعلام] [انظر: الأعلام، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، ط14، مج5، ص7] (50) كتاب التعريفات، العلامة علي بن محمد الشريف الجرجاني، مكتبة لبنان، ط1985، ص56. (51) التعقُّل: هو انكشاف الشيء عند العاقل. [موسوعة مصطلحات الفلسفة عند العرب، د. جيرار جهامي، مكتبة لبنان ناشرون، ص171. (52) دائرة المعارف الشيعية العامة، العلامة الشيخ محمد حسين الأعلمي الحائري، مؤسسة الأعلمي، ط2، مج6، ص488. (53) انظر نهج البلاغة، قصار الحكم، 113. وصحيح ابن حبان، أبو حاتم البستي: محمد بن حبان التميمي، باب استحباب الاجتهاد في أنواع الطاعات. [انظر طبعة دار الفكر، مج1، ص97] وسنن ابن ماجه، محمد بن يزيد الربعي القزويني، كتاب الزهد، باب الورع والتقوى. [انظر طبعة دار إحياء التراث العربي، ج2، ص1410] (54) تهذيب الكمال، أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزِّي، باب: الحسن بن علي بن أبي طالب. [انظر: دار الفكر، مج4، ص23] (55) مسند الإمام علي، تأليف البحاثة المحقق العلامة السيد حسن القبانجي، تحقيق الشيخ طاهر السلامي، مؤسسة الأعلمي، ط1، مج1، ص40. [وانظر نهج البلاغة، قصار الحكم] (56) فما بعد القرآن والسنة واللغة والمنطق من أُسس! (57) سورة يوسف، الآية 67. (58) سورة الأحزاب، الآية 3. (وردتُ هذه الآية الشريفة في أكثر من سورة وموضع من القرآن الكريم) (59) سورة الطلاق، الآية 3. (60) سورة الأحزاب، الآية 39. أضف الى المفضلة (127) | أضف الى موقعك | المشاهدة: 2667
فقط الأعضاء المسجلين هم يستطيعوا اضافة تعليقات. قم بتسجيل الدخول أوالتسجيل بالموقع. Powered by AkoComment Tweaked Special Edition v.1.4.6 AkoComment © Copyright 2004 by Arthur Konze - www.mamboportal.com All right reserved |