| هدر العقل العربي |
| الكاتب/ د.حازم خيري | ||||||
|
هدر العقل العربي بداية أراني متفقا مع قول الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت بفطرية العقل، وكونه أعدل الأشياء قسمة بيننا معشر البشر، فديكارت يقول فى مؤلفه الشهير "مقال عن المنهج"(1): "العقل هو أحسن الأشياء توزعا بين الناس (بالتساوي). إذ يعتقد كل فرد أنه أوتى منه الكفاية، حتى الذين لا يسهل عليهم أن يقنعوا بحظهم من شيء غيره، ليس من عادتهم الرغبة فى الزيادة لما لديهم منه. وليس براجح أن يخطيء الجميع فى ذلك، بل الراجح أن يشهد هذا بأن قوة الإصابة فى الحكم، وتمييز الحق من الباطل، وهي فى الحقيقة التى تسمى بالعقل السليم أو النطق، تتساوى بين كل الناس بالفطرة، وكذلك يشهد بأن إختلاف آرائنا لا ينشأ من أن البعض أعقل من البعض الآخر، وإنما ينشأ من أننا نوجه أفكارنا فى طرق مختلفة، ولا ينظر كل منا فيما ينظر فيه الآخر، لأنه لا يكفى أن يكون للمرء عقل، بل المهم هو أن يُحسن استخدامه. وإن أكبر النفوس لمستعدة لأكبر الرذائل مثل استعدادها لأكبر الفضائل. والذين لا يسيرون إلا جد مبطئين يستطيعون حين يلزمون الطريق المستقيم أن يسبقوا كثيرا من يعدون ويبتعدون عنه".ولندلف من مقولة ديكارت إلى القول بأن نصيب الإنسان العربي من العقل ليس أقل من نصيب غيره من إخوته فى الإنسانية، ولو ألقى تجار الآلام فى روعه غير ذلك. فالأرجح ـ كما أسلفنا ـ أن العقل هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس. وعليه يصير مقبولا، ونحن بصدد الحديث عن العقل العربي، ألا نفرق بينه وبين غيره من عقول أمم الأرض. فالعقل الذى يسكن أجسادنا معشر البشر واحد، سواء كان صاحبه عربيا أو أفريقيا أو أوروبيا أو آسيويا أو أمريكيا! كل ما فى الأمر أننا معشر العرب نوجه أفكارنا فى إتجاهات خاطئة ونسلك طرقا جدبة، ناسين أنه لا يكفى أن يكون للمرء عقل، بل المهم ـ كما قال ديكارت ـ أن نُحسن إستخدامه، فهو بوصلتنا فى طريق الحياة، إن ضل ضللنا وإن أصاب أصبنا! على أية حال، لنبدأ بحثنا بتتبع رحلة العقل عبر التاريخ، على أمل التعرف على مراحل تطوره، يحدونا ما أورده عابد الجابري فى كتابه "تكوين العقل العربي" بشأن العقل فى الثقافة اليونانية، وقوله بأن هراقليطس كان ـ فيما يذكر مؤرخو الفلسفة ـ أول من قال بفكرة "اللوغوس" أو العقل الكوني. فلكى يفسر هذا الفيلسوف اليونانى النظام السائد فى الكون، بعيدا عن الميثولوجيا والأساطير، قال بوجود "قانون كلى" يحكم الظواهر ويتحكم فى صيرورتها الدائمة الأبدية. كما قال الرجل بأن العقول البشرية تستطيع التوصل إلى معرفة صحيحة عن ظواهر الطبيعة إذا هى شاركت فى العقل الكلي، أي إذا هى اجتهدت فى البحث فى نظام الطبيعة وأدركت ما يتصف به هذا النظام من ضرورة وشمول. فهذا العقل الكوني أشبه ما يكون بـ "نار إلهية لطيفة"، بل هو "نور إلهى"، هو حياة العالم وقانونه. والنفس البشرية قبس من هذه النار الالهية، أى من هذا القانون الكلي الذى يسري فى الطبيعة ويحكمها، فعليها إذن أن تعرف هذا القانون وتعمل بموجبه(2). ويضيف الجابري فى كتابه المذكور أنه إذا كانت فكرة هراقليطس عن العقل الكلي تميل إلى إقرار نوع من وحدة الوجود، باعتبار أن العقل الكوني هذا محايث للطبيعة غير منفصل عنها، فإن تصور اناكساجوراس للـ "النوس" أى العقل الكلي، يختلف من حيث إنه جعل منه مبدأ مفارقا، غير مندمج فى الطبيعة ولا محايث لها. فاناكساجوراس يرى أن الأجسام مركبة من أجزاء متشابهة تقبل القسمة إلى غير نهاية من حيث المبدأ، ولكن مع افتراض وجود أجزاء فى غاية الصغر لا تنقسم، هى أشبه بالبذور الأولى، لا تُدرك بالحواس وإنما تُتصور بالعقل فقط. ولقد كان الكون فى أول أمره عبارة عن خليط فوضوى من هذه البذور، عبارة عن "كاوس"، أى عبارة عن عماء مطلق يشكل الكل الموجود(3). والعقل ـ طبقا لاناكساجوراس ـ هو الذى نظم كل شيء وهو العلة لجميع الأشياء. ذلك لأنه كى يتمكن ذلك الخليط الأولى، أو العماء الكلي، من الخروج من عطالته لابد من قوة محركة تقوم بالفصل بين الأجزاء ثم الوصل بينها وإعادة تركيبها. وهذه القوة المحركة سماها اناكساجوراس "النوس" أو العقل الكلي. وهى تدرك جميع الأشياء التى امتزجت وانفصلت وانقسمت، وهى التى بثت النظام فى جميع الأشياء التى ُوجدت والتى توجد الآن والتى سوف توجد. وهكذا فالعقل ـ طبقا لاناكساجوراس ـ يحكم العالم، فنظرية الفيلسوف اليونانى لا تترك أى مجال للصدفة، فكل شيء عنده نظام وضرورة. وإذا كان هناك ما يبدو، كأنه مجرد مصادفة، أى غير خاضع للحتمية والضرورة، فليس ذلك راجعا ـ فى رأيه ـ إلا إلى عجزنا عن اكتشاف سببه. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فـ "النوس" ليس عقلا يفكر وحسب، هكذا بعيدا عن العالم متعاليا، بل إنه أشبه بالنفس: هو بالنسبة للعالم كالنفس بالنسبة للجسم، بل هو نفس كل ما له نفس، أو أن نفوس الكائنات الحية قبس منه، ومع ذلك فهو غير محايث للطبيعة إذ يظل مستقلا عنها خارجا عن دائرتها. إنه عبارة عن نفس مستقلة تصدر عنها نفوس مستقلة كذلك(4). ومهما يكن من أمر الاختلاف بين تصور كل من الفيلسوفين اليونانين هراقليطس واناكساجوراس للعقل الكلي (الذى يتنزل منزلة الاله فى الديانات التوحيدية) فإن القول بمحايثته للطبيعة أو انفصاله واستقلاله لا يغير من جوهر التصور اليوناني للعلاقة بين الطبيعة وهذا العقل الكلي وبينه وبين الإنسان. فعلى فكرة هراقليطس عن "اللوغوس" تأسست الفلسفة الرواقية، بل كل الفلسفات التى تميل إلى نوع من وحدة الوجود، أما فكرة اناكساجوراس عن "النوس" فقد كانت وراء فلسفة سقراط التى تأسست عليها فلسفة كل من أفلاطون وأرسطو. وطبقا لعابد الجابري، يظل الفكر الأوروبي الحديث، رغم كل ثوراته على "القديم" متمسكا بفكرة "العقل الكوني"، متصورا إياه على أنه "القانون المطلق للعقل البشري". ولعل فترة العصور الوسطى هى الفترة الأقل ثراء وخصوبة في رحلة العقل عبر التاريخ، رغم قول الفيلسوف المصري الراحل عبد الرحمن بدوى في كتابه المهم "فلسفة العصور الوسطى" إن العصور الوسطى لم تكن في الواقع غير دور من أدوار تطور العقل الإنساني وهو يسعى إلى تحقيق ممكناته، دور عامر بالتفكير الحي الخصب المناضل من أجل حرية العقل في التفكير والبحث عن الحقيقة واكتناه أسرار الطبيعة وتحقيق الوسائل المؤدية إلى تقدم الإنسانية! يقول بدوى في كتابه إن العقل الإنساني وجد نفسه مغلقا عليه داخل أسوار متينة هى أسوار العقيدة الدينية، فكان عليه أن يقتصر على التجوال بين هذه الجدران. ولما بدأ يشعر بشيء من الحرية كان عليه مع ذلك أن يحدد موقفه من مسألة حق العقل بإزاء النقل، أعنى الصلة بين نفسه وبين مضمون العقيدة الدينية. وكان عليه في أول الأمر أن يقول بأن الاتفاق تام فيما بين ما يقول به العقل وما أتى به الدين، لأن الحق لا يتعدد، والفلسفة ما هى إلا البحث عن الحق، والحق هو الدين. لهذا نجد عند الآباء الأولين أن كلمة "لاهوت" وكلمة "فلسفة" أو "حكمة" تدلان على أمر واحد. ثم تطورت الصلة شيئا فشيئا، فحاول العقل أن يؤكد كيانه إزاء هذا المضمون. فبدأ أولا بالخضوع في شيء من الدهاء، بأن قال إن الحقيقة هى الحقيقة الإيمانية، غير أن هذه الحقيقة مجملة، فهي في حاجة إلى التفصيل والشرح، وكلاهما يتم عن طريق العقل. وهذا الموقف نراه واضحا في القرنين العاشر والحادي عشر، إذ نجد أنسلم ينشد من وراء استقلال التفكير أن يتعقل الإيمان، أي يفسره حتى يتعقله، ولهذا كان شعاره "أومن لأتعقل"(5). وطبقا لبدوي، , وقف بطرس أبيلارد في القرن الثاني عشر مثل هذا الموقف وإن تقدم في سبيل تقرير نصيب العقل. فهو لا يزال يؤمن بأن عقيدة التثليث قابلة لأن يُبرهن عليها عقليا وهكذا كان لا يزال يقول إن الحقيقة الدينية تتفق في كل أجزائها مع ما يقضي به العقل. بيد أننا نجد عنده تقدما أكثر مما كانت الحال عليه عند أنسلم، ذلك لأن أبيلارد قال أيضا بوجود تعارض بين أقوال اللاهوت بعضها وبعض، وبين أقوال اللاهوت وأقوال الفلاسفة، وذلك في منهجه المعروف بمنهج "نعم ولا". وما إن أقبل القرن الثالث عشر حتى بدأ يحدد أكثر فأكثر ميدان العقل ويميزه من ميدان الإيمان، تمييزا يمضي قدما لدى كبار الفلاسفة اللاهوتيين نحو التمييز الواضح البين بين ماللعقل وما للنقل، وهذا التيار يستمر قويا حتى نصل إلى دنس سكوت أريجين، فنرى ميدان النقل الذي يمكن إثباته بالعقل قد انحسر شيئا فشيئا وضاق مداه، فتوما الاكويني أبعد من ميدان البرهان العقلي عددا وافرا من العقائد الدينية التي ظن أسلافه أن من الممكن إثباتها بطريق العقل، مثل التثليث والتجسد والخلاص، فقال إنه ليس من الممكن أن يُبرهن عليها عقليا. وجاء من بعده سكوت أريجين فأنكر امكان إثبات خلود النفس إثباتا عقليا، بل أن براهين وجود الله وبيان صفاته لا تقبل كلها أن تكون عقلية، وكل ما يمكن أن يقال عن هذه البراهين هو أنها محتملة وليست قطعية(6). وبحلول القرن الرابع عشر انفصل ميدان العقل عن ميدان الدين انفصالا يكاد يكون تاما، بمعنى أن ما يأتي به الوحي قد لا يكون قابلا للبرهان العقلي، وما يقضي به العقل ليس من الضروري أن يكون الوحي قد جاء به. وكانت نتيجة هذا كله أن أصبحت مشكلة العقل والنقل مشكلة غير ذات موضوع، مما كان إيذانا بقيام الفلسفة الحديثة التي لن تحاول التوفيق بين العقل والنقل، بل تدع هذه المشكلة خارج نطاق البحث الفلسفي. هذا ما حصل في أوروبا المسيحية، أما فيما يخص العالم الإسلامي، فالآراء عديدة ومتباينة، ولا يتسع المجال لذكرها جميعا. لذا نكتفي بأن نُورد رأيا قد يراه الكثيرون الأبرز والأكثر انسجاما مع القراءة المتأنية لما آلت إليه أوضاع عالمنا الإسلامي، وهو قول المفكر محمد أركون بأن المواجهة بين العقل الديني أو اللاهوتي/الفقهي والعقل الفلسفي بلغت أوجها في الفترة الواقعة بين القرنين التاسع والحادي عشر الميلاديين. وولدت عندئذ أعمالا فكرية وأدبية رائعة ترهص بالحداثة أو تمثل ما كان أركون نفسه قد دعاه بالحداثة البدائية الأولية. ففي القرن العاشر مثلا استطاع الموقف الفلسفي أن يكسب مساحة اجتماعية وسياسية واسعة بما يكفى لتغذية تيار إنساني حقيقي يستوعب المرجعية الدينية دون أن يعترف لها بالأولوية (إلا فيما يخص سلوك العوام) ولا حتى بالأسبقية. ولكن هذا التيار الإنساني والعقلاني كان للأسف سريع الأفول. فبعد وصول السلوجوقيين إلى السلطة في القرن الحادي عشر أخذت الأطر الاجتماعية والسياسية للمعرفة تضيق وتفتقر. وراحت بالتالي تحبذ أولوية العقل اللاهوتي/الفقهي على العقل الفلسفي. وما انفك هذا الاتجاه يتزايد ويتفاقم منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا عمليا. وهو ما دعا أركون إلى القول بأن تصفية الموقف الفلسفي من ساحة الفكر الإسلامي تصفية شبه كاملة، إن لم تكن كاملة بالمرة، إنما يُعد نتيجة طبيعية لأفول التيار الإنساني والعقلاني(7). ذكرنا سلفا أنه طبقا للجابري، يظل الفكر الأوروبي الحديث، رغم كل ثوراته على "القديم" متمسكا بفكرة "العقل الكوني"، متصورا إياه على أنه "القانون المطلق للعقل البشري". وأرانى مقتنعا بعدم تعارض قول الجابري مع تأكيد أركون على أن العقل فى أوروبا الغربية بدءا من القرن السادس عشر أو السابع عشر راح ينطلق على أسس جديدة غير تلك التى كان يعرفها سابقا. فقد حرر سبينوزا و ديكارت ـ طبقا لأركون ـ العقل الفلسفى من هيمنة العقل اللاهوتى المسيحى، إذ أعطى الرجلان الاستقلالية الذاتية للعقل البشري وللذات البشرية بعد ما انتزعاها من براثن العقل اللاهوتى القروسطى. بالطبع ليس ديكارت واسبينوزا وحدهما من فعل ذلك، وإنما كل الجيل الذى تلاهما أيضا، أى جيل فولتير وديدرو وروسو والموسوعيين وكانط والإنجليز من قبل. والمقصود بالاستقلالية الذاتية هنا أن الذات البشرية هى التى أصبحت تبلور الأخلاق وقواعد السلوك وتنظيم المجتمع على مسؤليتها الخاصة. أصبح التشريع وسن القوانين مسألة بشرية بحتة. وهذا شيء ما كان ليحدث فى العصور السابقة، ما كان الانسان ليجرؤ أبدا على أن يصبح هو معياريته الخاصة ويستقل عن المعيارية الخارجية عليه والتى تحكمت به طيلة قرون وقرون. وهكذ اختلفت مكانة العقل كليا عما كانت عليه فى العصور الوسطى، وانتقلت أوروبا الغربية من مرحلة العقل اللاهوتى القروسطى إلى مرحلة العقل الحديث الكلاسيكي، المرتكز على اليقينيات المطلقة(8). والآن، أما وقد وصل تتبعنا لرحلة العقل عبر التاريخ لنهايته، يبيت لزاما علينا القول بأن أوروبا تنتقل الآن من مرحلة العقل الحديث الكلاسيكي المرتكز على اليقينيات المطلقة إلى مرحلة العقل النسبي أو النقدى الذى يعود على نفسه باستمرار من أجل تصحيح مساره أو تعديله إذا لزم الأمر! وهو ما يدعوه البعض الآن بعقل ما بعد الحداثة، أى عقل أكثر تواضعا، لكن أكثر دقة وحركية فى آن معا(عقل ما بعد انهيار الايديولوجيات الكبرى واليقينيات الراسخة). ولعل فى قول أركون بأن الفرق الوحيد بين عقل الحداثة وعقل ما بعد الحداثة هو أن الثاني وهو يبلور المعارف الجديدة يعرف أنه لن يصل إلى الحقيقة المطلقة، ويعرف أنه يصل إلى حقائق نسبية، مؤقتة، قد تدوم طويلا أو كثيرا، ولكنها حتما لن تدوم أبدا(9). أقول إن قول أركون يشي بمأساة العقل العربي الذى أراه لا يزال بمحاولاته المتواضعه وأغلاله الثقيلة يسعى لولوج "الحداثة" وما أظنه يلجها بوضعه الراهن! ناهيك عن مرحلة "ما بعد الحداثة" التى يرفل الآن فى غلائلها العقل الغربي! وللذات العربية أن تثور غيرة على ما قد تتصوره إهانة لكبرياء العقل العربي وكرامته، هذا إن اعتبرنا القول بتواضع وضآلة مساهمة العقل العربي فى رحلة العقل عبر التاريخ إهانة، ووللذات العربية أيضا أن ترمي كاتب هذه السطور بما يروق لها ويطفئ نيران ثورتها، بيد أنى أرجوها ـ وأُلح عليها في الرجاء ـ أن تمضى قُدما في قراءة البحث الماثل حتى نهايته، عسى أن تجد فيه ما يُهدىء روعها وينفى عنا ما قد تكون تلك الذات قد رمتنا به من تُهم بغير حق. أقول هذا وأنا أعلم علم اليقين أن الأمر ليس بالهين، فتجار الآلام فى عالمنا العربي لم ولن يملوا تعمية مواطنيهم عما يحدث من هدر للثروة العقلية العربية، تكريسا لمصالحهم ولو كان الثمن كبرياء وكرامة العقل العربي المغلول!! أقول إن تجار الآلام، لا يعدمون الطرق والحيل للتغرير بضحاياهم، حتى أنى ـ مع ما أزعمه لنفسي من دراية كافية نسبيا بتلك الحيل ـ كثيرا ما راودني الشك في مسألة هدر العقل العربي!! فكثيرا ما سألت نفسي: هل هناك هدر فعلى للثروة العقلية العربية؟! أم أن الاتهام بالهدر اتهام جائر ليس له أساس من الصحة على أرض الواقع؟! غير أن الواقع حولى والتاريخ ورائي يؤكدان لى دوما أني ما ضللت الطريق وما تجنيت حين عمدت لرصد تلك الظاهرة الخطيرة، بوصفها مسئولة بصورة مباشرة عن خروجنا المخزي والمهين من التاريخ... إن ما أسميه بـ "هدر العقل" إنما يحدث عندما يعتقد الإنسان، وأعنى بالانسان هنا المنتمين لأي من الثقافات أو الحضارات المختلفة، أنه قد استطاع بناء ثقافة أو أنه قد بُنيت له ثقافة ستعيش مدى الدهر، دون أن تخضع للنقد و التطوير، سواء امتلك هذا الانسان عقلا فلسفيا أو أنه امتلك عقلا لاهوتيا/فقهيا. ومن ذلك وصف الشاعر اللاتينى الكبير هوراس أشعاره بأنها: "أبقى أثرا من البرونز، لن يُمس بسوء مهما مرت عليه من سنين"! فمن الضرورى على الانسان ـ أيا كانت ثقافته أو حضارته التى ينتمى إليها ـ أن يُثمن عقله، وذلك بالتزام التواضع عند النظر إلى ثقافته تلك أو حضارته، سواء كانت من صنع يديه أو من صنع غيره، فهى بالضرورة ليست أبدية أو محصنة ضد النقد والتطوير. فطبقا للفيلسوف الألمانى أرنست كاسيرر، تظل ثقافتنا أو حضارتنا مجرد قشرة خارجية تحيط طبقات عتيقة ذات أغوار بعيدة، وعلينا أن نُعد أنفسنا على الدوام لمواجهة أية اهتزازات عنيفة قد تهز عالمنا الثقافى أو الحضارى، وقد تعرضه للانهيار!!(10). ويظل منطقيا القول بأن العقل اللاهوتى عبر التاريخ كان أكثر تعرضا للهدر من العقل الفلسفي، حتى قبل بلوغ الأخير مرحلة ما بعد الحداثة، فالهدر هنا نسبى بطبيعة الحال، وأظنه بلغ ذروته فى ظل العقل اللاهوتى الذى اعتقد دوما أنه قد ُشيدت له ثقافة مقدسة ومحصنة، من شأنها أن تعيش أبد الدهر دون نقد أو تطوير! فالنقد والتطوير فى عُرف هذا العقل خطيئة! وهو ما يصعب مقارنته بما حدث فى ظل العقل الفلسفى الحديث الكلاسيكي، فقد شيد ثقافته بنفسه، بيد أنه ـ للأسف الشديد ـ لم يفتأ أن وقع فى حبائل الايديولوجيات الكبرى واليقينيات الراسخة! معرضا نفسه للهدر ولو بدرجة أقل من هدر العقل اللاهوتى لنفسه! كان ذلك هو الحال بالنسبة للعقل الغربي، فماذا عن العقل العربي، خاصة وأن هدره هو موضوع هذه الدراسة؟! الحق أن الأمر جدير ببعض التأنى، فالمسألة كما أسلفنا شائكة، فالبعض يرى أن تعهد مسألة هدر العقل العربي بالرصد والتحليل ينطوى على إهانة جليلة وإساءة فادحة لهذا العقل! وأملى أن أكون بحديثي السالف عن تعرض العقل الغربي للهدر قد أعفيت نفسي من الحرج، لأنه لا يُعقل أن يكون العقل الغربي قد تعرض للهدر على النحو المذكور، وكلنا يعلم مكانة ذلك العقل فى التاريخ وانجازاته الضخمة، فى حين يكون العقل العربي قد نجا من ذلك الهدر، وكلنا ـ أيضا ـ يعلم محنته التى أخرجته من التاريخ!! والآن، ليسمح لى قارئي الكريم بأن أعضد حديثي الماثل فى عجالة بمقولاتي الفلسفية التى أراها مهمة والتى سبق لى أن اهتديت إليها أثناء بحوثى السابقة فى مجال الفكر الأنسني. وأنا وإن كنت قد أحجمت عن فعل ذلك إبان حديثي عن هدر العقل الغربي، فإنى الآن وقد انتقلت للحديث عن هدر العقل العربي أرى الحاجة ماسة لتلك المقولات، وذلك لسببين أذكرهما لاحقا.. ولتكن بداية حديثي، عن مقولاتي الفلسفية، مع مصطلح "الأنسنية" الذى شكل محورا لدراسة سابقة لى بعنوان "بناء الذات الأنسنية"، جاء فيها أن بناء الذات الأنسنية لا يعني سوى صياغتها بما يسمح لها بتحقيق أكبر قدر ممكن من التطابق بين أقوالها وأفعالها، شريطة انطواء تلك الأقوال والأفعال على تثمين للأنسنية القائلة بالإنسان كأعلى قيمة في الوجود، وهدفها الماثل في التمحيص النقدي للأشياء بما هي نتاج للعمل البشري وللطاقات البشرية، تحسبا لسوء القراءة وسوء التأويل البشريين للماضي الجمعي كما للحاضر الجمعي. وكذا شريطة وقوع تلك الأقوال والأفعال في إطار الخصائص العامة للأنسنية(11): وطبقا للمعيار الأنسني الوارد الحديث عنه في الدراسة نفسها، يُعد الإنسان أنسنيا (ذاتا أنسنية) طالما أدرك الأنسنية وسعى لتبصير الغير بها، ولم يستأثر بها لنفسه أو لفريق بعينه، وكذا يُعد الإنسان ذاتا حتى لو جهل الأنسنية، ولم يُدرك كنهها، أو أعرض عنها، لكنه في تلك الحالة يكون ذاتا مغتربة ثقافيا. فالشائع ـ خاصة في المجتمعات المتخلفة ـ هو تنازل الإنسان عن حقه الطبيعي في امتلاك ثقافة حرة ومتطورة، إراحة لذاته وإرضاء لمجتمعه! وباستخدام المعيار نفسه، يُعد آخرا كل من يدرك الأنسنية ويستأثر بها لنفسه أو لفريق بعينه، ويعمل جاهدا في الوقت نفسه للحيلولة دون أخذ الذات المغتربة ثقافيا بها كنهج حياة، وتعميتها عنها بشتى الوسائل والسبل، بهدف حرمان تلك الذات من جني ثمار الأخذ بالأنسنية. ولقد انتهيت فى الدراسة المذكورة إلى القول بأن تطور التاريخ الإنساني لا يعدو كونه نتاجا لصراع ثقافي معقد، أطرافه الذات الأنسنية والذات المغتربة والآخر. أقول صراعا ثقافيا، استنادا لتعريف إليوت الأنثروبولوجي للثقافة بأنها طريقة شاملة للحياة، وهو ما يعني كون الصراع أعم وأشمل منه عند الماركسيين، فاحتياجات الإنسان ليست مادية فحسب، فهي تتجاوز الاحتياجات المادية، على خطرها وأهميتها. وأقول صراعا معقدا، لتعدد جبهاته وتداخلها... فهناك الصراع بين الذات الأنسنية الساعية لتبصير الذات المغتربة بالأنسنية وتعرية دور الآخر في تكريس اغترابها، وبين الآخر المدرك للأنسنية والحريص على الحيلولة دون نجاح الذات الأنسنية في إقناع الذات المغتربة بالتخلي عن اغترابها، وكذا الحريص على الحيلولة دون أخذ الذات المغتربة نفسها بالأنسنية كنهج حياة، وهو صراع مؤلم، لا يتورع الآخر فيه عن استخدام أو إغراء الذات المغتربة باستخدام كافة الوسائل المستترة وغير المستترة لحسمه لصالحه. وهناك أيضا الصراع بين الذات الأنسنية والذات المغتربة، وهو صراع عدائي من جانب واحد، هو جانب الذات المغتربة، يغذيه الآخر كما أسلفنا ويؤججه، فهو يُلقي في روع الذات المغتربة أن قهر اغترابها يعني محو هويتها، وأن جهود الذات الأنسنية لحثها على قهر اغترابها والأخذ بالأنسنية، ليست سوى ممارسات عدائية في حقها، ترمي لمحو هويتها الثقافية وهدر ثروتها العقلية..!! تلك هى مقولاتى الفلسفية التى أراها مهمة والتى سبق لى أن اهتديت إليها أثناء بحوثى السابقة فى مجال الفكر الأنسني. أوردتها ليعلم قارئي أن الحديث عن مسألة هدر العقل العربي ليس من السهولة بمكان. ولا يعنى احجامي عن الاستعانة بتلك المقولات إبان رصدى وتحليلي لمسألة هدر العقل الغربي عدم امكانية الافادة من هذا النهج الأنسني التفسيرى فى رصد وتحليل تلك المسألة، فالعكس هو الصحيح، غير أنى آثرت الاستئثار بتلك المقولات والافادة منها فى رصدى وتحليلي لمسألة هدر العقل العربي، وذلك لسببين أراهما من الأهمية بمكان: أولهما كون مسألة هدر العقل العربي هي الحالة الأكثر تعقيدا والأهم بالنسبة لكاتب هذه السطور، إذ أن محنة إغتراب العقل العربي لم تترك له ترف الاختيار!! والسبب الثانى هو رغبة كاتب هذه السطور فى تجنب التكرار والتطبيق المزدوج للنهج الأنسني التفسيري المذكور فى رصد وتحليل هدر العقلين الغربي والعربي... والسؤال الذى يطرح نفسه بقوة: ما هي علاقة الاغتراب الثقافي للذات العربية بمسألة هدر العقل العربي، وأقصد به عقل تلك الذات بطبيعة الحال؟! ذكرنا سلفا أن تطور التاريخ الإنساني لا يعدو كونه نتاجا لصراع ثقافي معقد، أطرافه الذات الأنسنية والذات المغتربة والآخر. وذكرنا كذلك أن المقصود بالاغتراب الثقافي هو تنازل الإنسان عن حقه الطبيعي في امتلاك ثقافة حرة ومتطورة، إراحة لذاته وإرضاء لمجتمعه!! ونضيف الآن، أنه على خلاف الحال مع العقل الغربي الفلسفي فى عصر الحداثة، يكتسب العقل العربي بتنازله عن حقه الطبيعي في امتلاك ثقافة حرة ومتطورة، ثقافة ليست هي ثقافته الحقيقية أو ليست هى ما يجب أن تكون عليه ثقافته حقا، أي أنه يصبح مستهلكا لثقافة ليست من صنعه. وذلك لكونه لم يزل حتى يومنا هذا فقهيا، شأنه فى ذلك شأن العقل الغربي اللاهوتى فى العصور الوسطى. بيد أن الموضوعية تقتضينا القول بأن ادراك العقلين الغربي الفلسفي فى عصر الحداثة والعربي الفقهى فى وقتنا الراهن لثقافتيهما على أنها أبدية ومحصنة ضد النقد والتطوير، يعني تشابههما فيما يتعلق بمسألة تعرضهما للهدر، رغم البون الشاسع الفارق بينهما فى نسب الهدر..!! ويحدث أيضا أن تلتمس الذات العربية باغترابها الثقافي إرضاء مجتمعها، ومرجع ذلك أن تنازل تلك الذات عن حقها الطبيعي في نقد ثقافتها وتطويرها غالبا ما يتم في مجتمع يصطلح أفراده على تقدير واحترام المغترب، ويلتقون في اعتقادهم الراسخ بأن الثقافة السائدة هي الضمانة الحقيقية لصيانة هويتهم، وأنها أسمى من أن تمتد إليها أيديهم بالنقد والتطوير. فالمغتربون عادة ما يتنازلون بصورة جماعية عن حقهم الطبيعي في نقد ثقافتهم وتطويرها إلى من يرونه أحق منهم بذلك، وأقدر منهم على ارتياد ما يتصورونه طريقا وعرا ومحفوفا بالمخاطر. وغالبا ما يقف الآخر، وأقصد به كما أسلفت كل من يُدرك الأنسنية ويستأثر بها لنفسه أو لفريق بعينه، ويعمل جاهدا في الوقت نفسه للحيلولة دون أخذ الذات المغتربة بها كنهج حياة، وتعميتها عنها بشتى الوسائل والسبل، بهدف حرمان تلك الذات من جني ثمار الأخذ بالأنسنية، وتكريس هدر ثروتها العقلية. أقول إنه غالبا ما يقف الآخر، عربيا كان أم غربيا، وراء إهدار الذات المغتربة لثروتها العقلية، وذلك عبر سعيه المحموم لتكريس الاغتراب الثقافي لتلك الذات البائسة... والحق أن الآخر، خاصة الآخر العربي، لم يكن ليبلغ لبانته لولا وجود آليات بعينها تعينه على أمره. فالاغتراب في حاجة لدعم دائم من سدنته، وليس هناك ما هو أكثر ضمانا لديمومته من وجود دعم مؤسسي دائم ومنتظم له. فبدون مثل ذلك الدعم يصير من الصعوبة بمكان الحفاظ على الرسوخ الدائم لفكرتى الاغتراب والهدر في الأذهان. وغالبا ما تتخذ الصيغة المؤسسية أشكالا مختلفة، فالمؤسسية التي يقصدها الكاتب لا تعني بالضرورة بنايات ضخمة وجيش عرمرم من الموظفين وزخم بيروقراطي، ولكنها تتراوح ما بين تلك البنايات المهيبة وبين شخصيات بعينها، يُصيرها سدنة الاغتراب بحرفيتهم الدعائية ومهارة ترويجهم للاغتراب رموزا شبه مقدسة، يزعمون أن الباطل لا يأتيها من بين يديها ولا من خلفها، وهو ما يُيسر انقياد المغتربين إليها انقيادا أعمى... وكما أن الصيغة المؤسسية تتخذ أشكالا مختلفة، يتسع نشاط تلك المؤسسات المعنية ليشمل مجالات عديدة. فتكريس الاغتراب الثقافي للذات، والهدر المحزن لثروتها العقلية، لا يتم عبر آليات محدودة كما قد يتوهم الكثيرون، ولكنه يتم عبر آليات عديدة ومتنوعة منها البوليسي، والتعليمي، والإعلامي، إلى جانب ما اصطلح على تسميته بالديني، نسبة إلى الدين والدين منه براء. ولنا أن نتصور كيف يغدو الاغتراب الثقافي ـ وما يصاحبه من هدر عقلي ـ زائرا ثقيلا حين تعوزه مثل تلك الآليات التي تفرضه أحيانا وتحببه أحيانا أخرى إلى الضحايا الأبرياء، فتصوره لهم على أنه إكليل غار فوق رؤوسهم. وفيما يلي رصدا موجزا لبعض أهم آليات تكريس الاغتراب الثقافي للذات وهدر ثروتها العقلية(12): والتاريخ الإنساني الذي يرويه ـ في أغلب الأحيان ـ الآخر القوي ويلقنه للذات المغتربة الضعيفة في دأب وجلد يُحسد عليهما، لا يمل استعداء المغتربين على تلك النفوس النبيلة، التى تظهر في لحظات أو حقب متناثرة عبر العصور المختلفة، وتأبى إنسانية أصحابها ألا تستأثر لنفسها ـ أقصد تلك النفوس النبيله ـ بإدراك الأنسنية، وألا ترفل وحدها في غلائل ذلك الإدراك، في وقت تشقى فيه الذات المعذبة باغترابها، فنراها تعمل جاهدة على تعرية الآخر وتبصير الذات المغتربة بالأنسنية ومزايا الأخذ بها كنهج حياة، هادفة بذلك لرفع نير الاغتراب الثقافي والهدر العقلي عن كاهلها، وتعليمها أن آلامها ليست قدرا محتوما و إنما هي صناعة أيديها وأيدي الآخر. وهو ما يدفع الآخر، وما أقواه في كل زمان ومكان، لمناصبة تلك النفوس النبيلة والطاهرة العداء والتنكيل بها علاوة على اتهامه لها بكل رذيلة وإلحاق ذكرها بالاستهجان والإدانة و السب، حتى يهيئ للمرء أنها شياطين في صيغة بشرية، والحق أن أصحابها أشرف من وطأت أقدامهم ظهر الأرض، فهم دائما ما تحدوهم أغنية الايثار وانكار الذات(13): صفوة القول، أنه توجد علاقة طردية وثيقة بين الاغتراب الثقافي للذات العربية والهدر العقلي لتلك الذات. لأنه إذا كان الاغتراب الثقافي يعنى تنازل الإنسان العربي عن حقه الطبيعي في امتلاك ثقافة حرة ومتطورة، إراحة لذاته وإرضاء لمجتمعه! فما أظن الاغتراب الثقافي بهذا المعنى يخلو من الهدر العقلي لذلك الانسان، أي إعتقاده الراسخ بأنه قد بُنيت له ثقافة ستعيش مدى الدهر، وكيف لا؟ وهى ـ من وجهة نظره ـ أبدية..محصنة ضد النقد والتطوير!! لذا، أقول إن الآخر، عربيا كان أم غربيا، فى صراعه الثقافى وفى سعيه المحموم لتعمية الذات العربية عن الأنسنية، عبر تكريسه إغترابها الثقافى، إنما يكرس هدر ثروتها العقلية، وذلك لعدم قناعته بمقولة سيزير: "فى موعد النصر متسع للجميع". مظاهر هدر العقل العربي: ونظرا لهذه العلاقة الوطيدة بين الاغتراب الثقافي للذات العربية وهدر ثروتها العقلية، بات منطقيا استعانة كاتب هذه السطور بأمارات يراها ملازمة لأولئك الذين ينخرطون فى الإغتراب الثقافي ـ أقول بات منطقيا أن يستعين كاتب هذه السطور بتلك الأمارات وأن يعرضها كمظاهر لهدر العقل العربي. وقد وردت تلك الأمارات (بمتنها وهوامشها) فى كتاب للكاتب بعنوان "الاغتراب الثقافي للذات العربية"، عمد فيه لرصد وتحليل ظاهرة الاغتراب الثقافي للذات العربية... [1] إدمان لعبة إلقاء التبعة بالكامل على الآخر غير العربي: [2] اغتيال المبدعين و معاداة الإبداع: [3] غياب العقلانية و الشغف بالشكلية البسيطة: ولئن يكن الآخر العربي قد حارب العقلانية بين مواطنيه المغتربين، وروج للشكلية البسيطة كبديل لها، فانه آثر ـ ولا يزال يؤثر ـ نفسه بها، فنراه يقبل على تعاطيها بنهم لا ينتهي، وهو ما يبدو واضحا في إقباله على تربية كوادره وتنشئتها بطريقة مماثلة لتلك المعروفة في المجتمعات غير المغتربة(17)، مما يعني تعمده الآثم تكريس الاغتراب الثقافي لمواطنيه. والآخر العربي في ذلك أشبه ما يكون بتاجر المخدرات، فهو يروج بين ضحاياه سموما، يحجم هو ومن معه بقوة عن تعاطيها، حتى يتسنى له إحكام سيطرته على ضحاياه، فيدينون له بالولاء والطاعة، في حين يرفل هو في غلائل حريته، فيأتي بفعال لا يهدف من ورائها سوى صالحه الخاص، رغم تعارضها البين مع صالح مواطنيه. [4] العجز عن التعاطي مع الآخر غير العربي: [6] اعتياد التناقض والرؤية التجزيئية للأمور: العود العربي إلى التاريخ: ولي أن أبدأ حديثي عن رؤيتي للكيفية الممكنة لهذا العود، بسرد قصة أراها مهمة على بساطتها، وأراها تجسيدا صادقا لمأساة هدر العقل العربي... كنت قد التقيت، فى إحدى الأمسيات القاهرية، بمدرس بإحدى كليات الإعلام، وكان ذلك فى حضرة أحد أصدقائه الدارسين للفلسفة. وبرغم عدم تخصص هذا المدرس الجامعي الشاب فى الفلسفة إلا أني رأيت أنه من اللائق أن يتطرق نقاشنا إلى نواحي فكرية راقية وعقلانية، خاصة وقد علمت من هذا المدرس أنه يقوم بالتدريس، أى بناء العقول، فى أكثر من جامعة مصرية، فضلا عن اعارته لاحدى الجامعات العربية! وبالفعل بدأت النقاش كعادتى، بطرح بعض التساؤلات حول بعض الأمور المهمة ـ وليتنى ما فعلت ـ فى محاولة لاغراء الرجل بالحديث. وبالفعل كان لى ما أردت، غير أنى صُدمت، فقد بدا عقل الرجل فقهيا، بصورة تدعو للدهشة والأسى!! أفهم أن يكون الانسان متدينا ولكنى لا أفهم أن يمتلك مدرس جامعة عقلا فقهيا، يناصب الفلسفه والفلاسفة العداء!! المهم، أخبرني المدرس الجامعي، فى نهاية جلستنا، والشبق الجنسي يملء عينيه، أنه يريد إجراء دراسة علمية حول دور الأعمال الدرامية فى دفع المرأة فى مجتمعنا إلى البغاء. إلى هنا ولا غرابة، بيد أنى لم أكد أسأله عن الأهمية المجتمعية للدراسة، حتى تردد وتلعثم فى الإجابة، ثم بادرنى قائلا إنها سبيله الوحيد للحصول على الترقية الجامعية!! لقد ظننت أنه أراد عمل هذه الدراسة للتعرف على دوافع البغاء لدى المرأة، حرصا منه على تحليل تلك الدوافع ورغبة منه فى إيجاد وسائل لمعالجة البغى، نفسيا وجسديا، تمهيدا لاعادة تأهيلها ودمجها فى المجتمع. بيد أن الرجل أضاف فى بلاهة يُحسد عليها: "إن البغي تظل بغي ولا سبيل لتطهيرها سوى الموت طبقا لما تقضى به عقيدتى الدينية.."!! الحق أن سبب استيائي ليس سذاجة وجمود فهم المدرس الجامعى لعقيدته الدينية، وإنما ادراكى المؤلم لعبثية البحث العلمي فى مجتمعاتنا وعدم جدواه، فضلا عن تأكدى من اسهام القائمين علي البحث العلمي فى عالمنا العربي فى تعميق الهدر المحزن لعقول أبناء هذا العالم البائس. فالمفترض أن يكون البحث العلمي فى خدمة المجتمع، وليس أن يكون هدفا فى حد ذاته، كما أنه لا يصح أن يكون مجرد وسيلة للحصول على الترقية، كما تصور هذا العالم المزعوم!! والسؤال الذى يطرح نفسه بقوة: كيف يتسنى لنا معشر العرب أن نساهم مساهمة حقيقية وفعالة فى الحضارة الانسانية؟! كيف يمكن أن يتحقق ذلك والعقل العربي الفقهي ـ حتى وهو فى أرقى صوره ـ بهذه الحالة من الرداءة والسوء؟! الحل فى رأيي هو تدشين تيار ثقافي أنسني فى عالمنا العربي، يدرك أنصاره طبيعة الصراع الثقافي بينهم وبين الاغتراب الثقافي والأخروية، ومن ثم يعمدون ـ فى دأب وحرص ـ إلى تبصير الذات المغتربة بخطورة اغترابها وكذا تبصيرها بكون هذا الاغتراب اللعين مسئولا عن هدر ثروتها العقلية، ومن ثم إخراجها من التاريخ. داعين إياها لقهر اغترابها، عبر استعادتها لحقها المشروع فى امتلاك ثقافة حرة ومتطورة، وكذا عبر تعاطيها الحذر مع آليات تكريس الاغتراب، فليس متصورا أن تظل الذات المغتربة مستهلكة لثقافة ليست من صنعها، كما أنه ليس متصورا أن تظل هذه الذات على اعتقادها الراسخ بأن ثقافتها ـ التى ليست من صنعها ـ مقدسة ومحصنة ضد النقد والتطوير، رغم ما يجسده هذا الاعتقاد من تحدى ساذج ومخيف لسنة كونية هى ديمومة التطور والتغير. وأظن أن اعتقاد الذات العربية المغتربة فى أبدية ثقافتها وقدسيتها مرتبط ـ بصورة أو بأخرى ـ برؤية تلك الذات المغتربة للتاريخ العام، فلطالما ألقى تجار الآلام فى روعها حتمية التدهور المستمر للزمن، فالماضي أفضل من الحاضر، والحاضر أفضل من المستقبل. وهو ما يخالف بطبيعة الحال المنطق السليم، فالحاضر يمكن أن يكون أفضل من الماضي وكذا المستقبل يمكن أن يكون أفضل من الحاضر. وكيف لا؟! ونحن نجمع إلى جانب خبراتنا خبرات السابقين علينا، ومن ثم فقدرتنا على تحويل الأرض لمقام طيب وجميل أكثر من قدرة أبائنا وجدودنا، كما أن قدرة الأجيال القادمة على فعل الشيء نفسه تفوق قدرتنا.. أما فيما يتعلق بالأخروية البغيضة، فيُناط بأنصار التيار الثقافي الأنسني المنشود، السعي الحثيث والحذر لتجريد الآخر من أخرويته، وذلك عبر تفكيك آليات تكريس الاغتراب الثقافي للذات والتى يجيد الآخر توظيفها ويُحكم عبرها قبضته على الذات المغتربة، فيُبقيها مغلولة عاجزة عن تثمين قدراتها العقلية.. كما يُناط بأنصار التيار الثقافي الأنسني المنشود ارساء دعائمه فى عالمنا العربي المغبون، السعي الحثيث والحذر لادارة العلاقة مع الآخر، عربيا كان أم غير عربي، فبدون إدارة العلاقة، على نحو يجنب الأنسنيين الصدام مع الآخرين، العربي وغير العربي، يصير من الصعوبة بمكان قيام مثل هذا التيار الثقافي الأنسني المنشود، غير أن على الأنسنيين اقتناص كافة الفرص المتاحة للنيل من الأخروية وتعريتها، ولا أقول ترويضها، فهى تستعصي بالضرورة على الترويض، نظرا لأنانيتها وحرصها البغيض على الاستئثار بمغانم الأنسنية لنفسها ولمن يدين لها بالولاء، فالآخر على دراية واسعة بخطورة الأنسنية وقدرتها على اثراء أنصارها بشعور قلما توافر لغيرهم، وكيف لا؟! والأنسنيون يرفضون السعادة ـ إذا أُتيحت لهم ـ إذا لم يشعروا بالاطمئنان على اخوتهم فى الانسانية.. الهوامش: أضف الى المفضلة (118) | أضف الى موقعك | المشاهدة: 1956
فقط الأعضاء المسجلين هم يستطيعوا اضافة تعليقات. Powered by AkoComment Tweaked Special Edition v.1.4.6 |
||||||